أمريكا ضحية العام
"شخصية العام" تقليد مهنى سنوى لمجلة "التايم" الأمريكية ، بدأته عام 1927 ، وفيه تختار رجلا أو امرأة أو جماعة أو فكرة ، وتضعه على غلافها فى السابع من ديسمبر كل عام ، وتعتبره الأكثر تأثيرا فى حوادث الدنيا ، بناء على استفتاء تجريه بين قرائها ، لاتلزم المجلة نفسها بنتائجه ، وتترك الرأى الأخير لهيئة تحريرها ، وقد اختارت "التايم" جو بايدن وكامالا هاريس لغلاف شخصية العام المنقضى ، ومن دون أن يسلم الكل بصحة الاختيارات المتحيزة بطبيعتها ، إلا فى حدود كونها طقسا احتفاليا أمريكيا غالبا ، لا يزال يعيش فى أجواء الفكرة المتقادمة عن "مركزية أمريكا" فى صناعة تطورات العالم .
وربما كان الأجدر بمجلة "التايم" ، وقد يكون الأدق ، أن تضع على غلافها السنوى الأخير خريطة الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد سبق للمجلة أن اختارت دونالد ترامب كشخصية للعام 2016 ، كان ذلك بعد فوزه المثير على المخضرمة هيلارى كلينتون ، ووضعت مع صورة ترامب تعليقا بليغا ، يقول نصه "الولايات المنقسمة الأمريكية" ، كانت الإشارة إلى "الانقسام" بدلا من "الاتحاد" الأمريكى فى محلها تماما ، لكنها لم تصبح مرئية للعيان على نحو واسع ، إلا فى العام 2020 ، الذى انتهى بهزيمة ترامب وفوز بايدن ونائبته كامالا ، مع تأكيد فكرة "الانقسام" التى كان عنوانها ترامب ، الذى لا يزال على رفضه التسليم بالنتائج ، فبرغم حدوث سوابق نزاعات على النتائج الانتخابية ، إلا أنها كانت تنتهى سريعا ، حتى لو جرى اللجوء للقضاء ، وعلى نحو ما جرى بدايات القرن الجارى ، والانتقال لعد يدوى لأصوات ولاية "فلوريدا" ، وإعلان فوز بوش الإبن على آل جور ، وتهنئة الخاسر للفائز كما تقتضى الأعراف المستقرة ، إلا أن ترامب هذه المرة ، ظل رافضا الاعتراف بفوز غريمه ، وأقام نحو خمسين دعوى قضائية ، خسرها جميعا أمام محاكم الولايات والمحكمة الفيدرالية العليا ، لكنه ظل معاندا مستهينا بأحكام القضاء نفسها ، ومصرا على زعمه بتزوير الانتخابات كليا ، وتلك قصة أبعد من غرابة أطوار شخصية ترامب ، فوراء الرجل جيش كامل من مؤيديه ، يعتقدون ما يعتقد ، ويعيدون ما يقوله بالحرف ، وفقدوا الثقة تماما بكل المؤسسات الأمريكية الاتحادية ، وربما يعتبرون أنفسهم شعبا آخر منفصلا تماما ، رأس الحربة فيه نحو 75 مليون شخص صوتوا لترامب ، قد يصلون بتأثيراتهم إلى ما يقارب نصف سكان الولايات المتحدة الأمريكية ، وبينهم جماعات مستعدة لممارسة عنف ، قد يصل بالانقسام الأمريكى إلى مستويات أخطر ، ربما لا تكون مسبوقة منذ سنوات الحرب الأهلية الأمريكية فى ستينيات القرن التاسع عشر ، التى انتهت بنصر دموى للاتحاد الأمريكى على انفصال الولايات الكونفدرالية الجنوبية الرافضة وقتها لتحرير العبيد ، وهو ما قد يتكرر اليوم ، وإن بصورة مختلفة ، يبرز فيها شعب ترامب ، الراغب فى رد اعتبار وامتياز وتفوق العرق الأبيض ، فثلثا البيض الأمريكيين من مؤيدى الرجل ، وقد يريدون العودة للأخذ بالتأر فى انتخابات 2024 ، هذا إن لم تجر حوادث تتطور دمويا قبل التاريخ الموعود .
صحيح أن المؤسسات الفيدرالية الأمريكية ، وفى قلبها البنتاجون ، تبدو عازمة على إنفاذ نتائج الانتخابات ، وأن الرئيس الأمريكى المنتخب يعطى معالجة الانقسام الأمريكى أولوية فى مهمته ، لكن فرص نجاح مسعاه لا تبدو مؤكدة تماما ، خصوصا مع ضعف وشيخوخة ظاهرة فى قيادة المؤسسات الأمريكية المنتخبة ، فالرئيس بايدن يقترب عمره من الثمانين ، ورئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسى بيلوسى تجاوزت الثمانين ، وزعيم الكتلة الجمهورية فى مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل ، وصل عمره اليوم إلى 87 سنة ، وهو ما قد يذكر بما جرى فى الاتحاد السوفيتى قبل تفكيكه ، حين ظل ليونيد بريجنيف السكرتير العام للحزب الشيوعى ، يواصل تشبثه بالسلطة إلى أن مات فى أرذل العمر ، وخلفه العجوز أندروبوف ، إلى أن مات بعد 15 شهرا ، ثم تشيرنينكو الذى مات بعد 13 شهرا فى السلطة ، ثم جاء جورباتشوف الأصغر سنا ، وعجل بالتفكيك الأخير ، وقد تكون الديمقراطية الأمريكية أكثر جدوى ونفعا من البيروقراطية السوفيتية ، وهذا صحيح إلى حد بعيد ، وقد تحول دون وصول حالة الانقسام الأمريكى إلى شئ يشبه التفكك السوفيتى ، لكن ضمانات الديمقراطية الأمريكية لا تبدو قادرة على صنع المعجزات بالضرورة ، ولا على استعادة بريق أمريكا الذابل ، خصوصا أن الداء الأمريكى الراهن له أبعاد أخرى ، أخطرها ما كشفت عنه جائحة كورونا ، التى افترست أمريكا كما لم يحدث لبلد آخر ، وكانت السبب الرئيسى فى هزيمة ترامب ، وفضحت هشاشة النظام الصحى والاجتماعى فى أمريكا ، التى نظر إليها طويلا كأكثر بلدان الدنيا تطورا ورفاهية ، لكن أمريكا نفسها ، هى التى حازت النصيب الأوفر عالميا من الإصابات والوفيات ، فلم تنزل نسبة إصاباتها المكتشفة عن خمس إصابات البشر جميعا ، التى تناهز الآن نحو الثمانين مليونا ، وبلغ عدد الوفيات فى أمريكا نحو ثلث وفيات كورونا عالميا ، وقد وصل الرقم الأمريكى إلى اليوم نحو 330 ألفا ، برغم البدء فى تعميم لقاحات التحصين ، بينما كان عدد قتلى الأمريكيين فى الحرب العالمية الثانية نحو 292 ألفا لا غير ، ووقت نهاية الحرب الثانية ، كانت أمريكا فى افتتاح صعودها وسيطرتها الكونية ، وكانت تملك وحدها نصف اقتصاد العالم ، وكانت حلما مغريا بالالتحاق به أو بتقليده ، وهو ما دار عليه الزمن بعد أكثر من سبعة عقود ، فقد تعب الاقتصاد الأمريكى ، وفقد كثيرا من طابعه الإنتاجى العينى ، وتزايدت هشاشته فى السباق مع جموح الاقتصاد الصينى ، وصارت أمريكا أكبر مدين فى التاريخ ، وقفزت ديونها الداخلية والخارجية إلى 26 تريليون دولار مع عواصف جائحة كورونا ، ونزل معدل النمو السنوى إلى ما تحت الصفر بكثير فى 2020 ، واتسعت رقعة عجز الموازنة إلى أكثر من تريليون دولار ، وكلها تطورات سلبية ، لا تبعث على البهجة بين صفوف الأمريكيين ، وتأخذ من حوافز اتحاد الأمريكيين متعددى الأعراق ، فأمريكا ليست بلدا قوميا بالمعنى المفهوم ، وقد وصفها المؤرخ الأمريكى شليزنجر مرة ، بأنها شركة كبرى ، لا يجمع ناسها سوى معدلات النمو وأرقام الناتج الإجمالى ، وضعف الاقتصاد يثير الانقسامات العرقية والطبقية ، فوق تراجع معانى الهيبة الأمريكية على الصعيد الكونى ، صحيح أن أمريكا لا تزال هى الأولى والأعظم فى التطور التكنولوجى ، وصحيح أن إنفاقها على السلاح وتطويره بلغ أرقاما فلكية ، زادت على 750 مليار دولار سنويا ، لكنها لم تعد تلك "القلعة المحصنة" الأكثر أمانا وإحكاما ، كما بدت لوقت طويل ، فلم يهاجمها أحد منذ الغارة اليابانية الانتحارية على ميناء "بيرل هاربر" صباح 7 ديسمبر 1941 ، وإلى أن جرت حوادث 11 سبتمبر 2001 ، التى بدت خروجا عن نص الأمان المطلق ، وكشفت خروقا تعددت رواياتها ، ثم تطور عصر التكنولوجيا الفائقة ، التى سبقت إليها أمريكا بامتياز ، وإلى أن ضربت أمريكا فى قدس أقداسها التكنولوجية مرات ، جرى أخطرها فى عام الكوارث الأمريكية نفسه 2020 ، ولم تكتشف الأجهزة الأمريكية حجم الدمار ، إلا بعد تسعة شهور من بدء حرب الكترونية كاسحة، شنتها روسيا كما يخمن المحللون الأمريكيون ، وإن مال ترامب إلى ترجيح دور الصين فى الاختراق غير المسبوق ، الذى لم يترك أمن مؤسسة أمريكية كبرى أو صغرى على حاله ، ولا استثنى نظم التأمين الالكترونى لترسانة واشنطن النووية ، ومن دون أن تشعر أمريكا (الجبارة !) إلا متأخرا بعمق وضراوة الاختراق ، الذى نقل أسرارها كافة إلى المخترقين ، وتركها عارية الكترونيا ، ومن دون مقدرة تذكر على كشف أسلوب الاختراق ، فيما بدا كأنه أكبر وأخطر عملية تجسس فى مطلق التاريخ الإنسانى ، تحطمت فيها جدران حماية الكترونية ، أنفقت عليها تريليونات الدولارات ، وخرجت منها أمريكا مهزومة بما يشبه الضربة القاضية ، برغم تهديدات الرئيس المنتخب برد الصاع صاعين لروسيا ، وهو ما لا يبدو ممكنا تحقيقه بسهولة ، اللهم إلا من باب عقوبات اقتصادية مزادة فرضت على الصين وروسيا ، التى تبدى قدرا ملحوظا من اللامبالاة بتهديدات واشنطن المسكينة .
وبالجملة ، بدت أمريكا كضحية مفضلة لحوادث العام 2020 ، بعد أن كانت وعلى مدى عقود ، السبب والفاعل الرئيسى فى مآسى العالم ، وفى سقوط عشرات ملايين الضحايا ، قبل أن تنقلب عليها عقارب الساعة ، وتزيد الشروخ فى جدران عظمتها المصنوعة ، ومن دون أمل ظاهر فى إعادة ترميم أمريكا ، التى كانت لوقت طال ، هى "القوة العظمى" بألف ولام التعريف ، وتحولت إلى مجرد "قوة عظمى" بين متعددين ، تطارد أشباح السقوط عن العرش .
------------------------
بقلم: عبد الحليم قنديل
[email protected]
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"
لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري