ألحان السماء ودولة التلاوة (5)
يسعد الكاتب حين تُنشر مقالاته، ويسعد أكثر حينما يجد صدى لها. الكتابة ليست انعزالاً في برج عاجي، يرسم فيها أصحاب القلم عوالم خيالية، بل مرآة لواقع معاش، ومشاركة في هموم وشواغل.
على مدى أربعة مقالات تناولنا فيها كتاب ألحان السماء لعمنا محمود السعدني استعرض فيه أعلام قُراء القرآن الكريم المصريين، ونحته مصطلح "دولة التلاوة"، ثم عرجنا إلى البرنامج الذي لاقى نجاحًا وقبولاً، وأثبت لنا أن المحروسة ولادة، وقادرة على تقديم قوافل المؤهلين المتميزين، ليس في قراءة القرآن فقط، بل وفي كافة المجالات الأخرى، متى أتيحت لهم الفرصة، وتهيأت الأجواء. واليوم نختم سلسلة المقالات ببعض تعقيبات السادة القراء.
(أنا لا اتفق مع هذه الطريقة التي تجعل من التلاوة محاكاة لمقامات موسيقية، ما للقرآن والبياتي والنهاوند وغيرهما من المقامات)، عقبت إحدى القارئات في جلسة جمعتنا حول فنجان قهوة، ابتسمت وسألتها، "أي المقرئين تفضلين؟"، فراحت تعدد - وقد انفرجت أسارير وجهها - أسماء أعلام من قبيل المنشاوي، الطبلاوي، عبد الباسط عبد الصمد. فعاودت الابتسامة وجهي وعقبت، "وهل تعلمين أنهم يقرأون بتلك المقامات التي تشيرين إليها؟"، فارتسمت على وجهها أمارات الدهشة والاستنكار، ودار بيننا حوار قصير استشهدت فيه بتعقيب للدكتور طه عبدالوهاب، خبير المقامات وعضو لجنة التحكيم في برنامج دولة التلاوة، من أن كلامنا العادي في حواراتنا اليومية مع بعضنا البعض من مقام البياتي، وبأن علم المقامات جاء حصيلة تطور طويل في الحضارات الشرقية والإسلامية، أسهم فيه علماء وموسيقيون من أمثال الفارابي وابن سينا وصفي الدين الأموي.
وأرسل الدكتور حافظ السلماوي، الرئيس الأسبق لمرفق الكهرباء والأستاذ بكلية هندسة الزقازيق، تعقيبًا جاء فيه (سمعت قول من أحد الأتراك أن القرآن نزل بمكة وقُريء بالقاهرة وكتب في إسطنبول. وبالرغم من تحفظي على حكاية كُتب في إسطنبول، حيث أنه جُمع في عهد الفاروق عمر ونُسخ في عهد عثمان بن عفان (رضي الله عنهما)، فقد يكون تفسير ذلك هو استخدام الخط العثماني الذي تم تطويره في الدولة العثمانية عند كتابة القرآن وحديثا طباعته.
إلا أن هناك إجماع على أن من أفضل قراءات القرآن هي تلك التي بمصر. إلا أن القراءات بها قدرٌ من التجويد أو التنغيم، قد يختلف من ثقافة لأخرى، فالثقافة البدوية بطبيعتها بسيطة ومباشرة ولا تشمل زخارف مثل ما في ثقافات الحضارات القديمة، ولذلك نجد مع المد الخليجي الحالي شهرة أكبر للقراء من السعودية. أما الثقافات المشابهة لمصر فربما لا زالت تستمتع بالقراءة المصرية، وأعتقد أن غير العرب يميلون للقراءة المصرية لسبب أساسي مرجعه تأثير الأزهر الشريف.)
أيضًا، أهدتني الصديقة العزيزة جميلة مطر، زوجة الشاعر الرائع جمال بخيت، مسحراتي العرب، رابط قصيدة "حِسّْ التلاوة" وهو يلقيها بصوته في لقاء تليفزيوني. وقد نظم جمال القصيدة تخليدًا لدولة قُراء القرآن الكريم المصرية التي انتشرت أصواتها في أرجاء العالم الإسلامي، وقدمها في نص مركّب ثريّ، يجمع بين الإنشاد الديني، والذاكرة الثقافية، والوجدان القومي، صاغها بروح مسحراتي يوقظ ضمير الأمة ويوقظ الحس الديني والإنساني معًا، يُلقيها بصوته المعبر الفياض عذوبة:
(مسحراتى العرب
ترتيلى بيصب ف نيلى / رقة وإحساس وحلاوة
وبنيت وزوقت سبيلى / على ندى أحلى تلاوة
لِسّانى باسمع ف الحصرى / بقلبى وبروحى وبصرى
تجويد على فن وتغريد / على شوق من الحس المصرى
على حنان على مية ورد/ على رحمة ف عروقى بتسرى
لِسانى باسمع ف الحصرى / وباعيش على صوته نعيمى
أبدأ صلاتى وتسليمى / يصاحبنى صوت البهتيمى
يباركنى حس المنشاوى / يطربنى حس الطبلاوى
يصفا لى حس الشيخ عمران / صوت عندليب .. ودعاء كروان
ساعة ما يتلو من القرآن / آيات رضا وإعجاز وبيان
المئذنة لما ارتفعت / عرفنا إن الشيخ رفعت
بيشد عودها بأدانه / وهيه دايبة ف وجدانه
نور الآيات لمس العمران / كل الشهور حاوطت رمضان
والحضرة بدأت بالغفران / عبد الصمد يتلو "الرحمن"
و "النور" وبعديها "الفرقان / يأتينا من حلو الترتيل
وكأننا ف حضرة جبريل / أحمد ندا يقرا "الإنسان"
الروح تطيب من أوجاعى / ويهل صوت الشعشاعى
يسقينى من نبع "الكوثر" / و "التوبة" ف ضميرنا بتحضر
وآدى مصطفى من بيت سِمَاعِين / صب الندى ف روح السامعين
نِعلـَى معاه من دنيا لدين / صوت العرب يا مستمعين
بيذيع تلاوة على محمود / جدى انتشى وآخر العنقود
لما ابتدا بسورة "الإخلاص" / و "قل أعوذ برب الناس"
م البسملة بنقول : الله / ونعيدها تانى ف "صدق الله"
إسمع شعيشع واتهنى / على فرع منسوب للجنة
الصيفى .. غرد .. والبنا / لاقينا ف السورة وَطـَّـنـَا
ورأينا ف الروضة مكانا / الصيفى .. غرد .. والبنا
لا عرفت أمشى ولا أستنى / وبلادى مفتوحة قصادى
سمعت صوت شيخنا القاضي / عبد العظيم زاهر راضى
وأحمد نعينع لو يقرا / بالقلب أسمع وأنصت له
ومصطفى غلوش .. راغب / يقرا الآيات فابتسمت له
وأنا رايح أسحر ف بلادهم / وأمد قلبى بمددهم
ألاقى ناس بتقول : الله / وألاقينى ما أعرفش عددهم
أوصل بصوتى لأبعدهم / أقول يا مصر المحروسة
دول الولاد وأنا أسعدهم ...")
واترك حضراتكم تستمتعون بإلقاء الشاعر جمال بخيت من خلال هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=mJZ365IDGes&t=3s
----------------------------
بقلم: د.م. محمد مصطفى الخياط
[email protected]
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها
شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري