الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 20.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
أكبر من مجرد نصر

أكبر من مجرد نصر

أترى حين أفقأ عينيك، ثم أثبت جوهرتين مكانهما، هل ترى؟ ... هى أشياء لا تشتري ..

سيقولون لك: ها نحن أبناء عم، قل لهم : إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك، واغرس السيف فى جبهة الصحراء، إلى أن يجيب العدم ..

كيف تنظر فى عينى امرأة، أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها، كيف تصبح فارسها فى الغرام ...

الأبيات السابقة من قصيدة شهيرة للشاعر المصرى العظيم أمل دنقل .

مفتتح :

كنت لا أزال فى المدرسة الثانوية عندما كتبت فى دفترى يوم 25 سبتمبر 1967 : " لا يكفى أن يكون لديك الحق، بل يجب أن تمتلك القوة التى تدافع بها عن هذا الحق، وإلا فليس لك أى حق " ...

فى الكلية الحربية كانت دروس القانون الدولى تشرح للضباط الشباب الجدد إتفاقيات جنيف للعام 1949، وخاصة ما يتعلق بكيفية معاملة أسرى الحرب ...

فى أكتوبر 1973 على حافة قناة السويس إستسلم عدد سبعة وثلاثون ضابطا وجنديا إسرائيليا فى النقطة القوية بلسان بورتوفيق، وشهد إستسلام النقطة عدد كبير من المراسلين الأجانب، سمعت أحدهم يقول لصاحبه : " لقد كانت هذه المنطقة هى ريفيرا الشرق الأوسط " وهو يشير إلى الدمار الكامل فى مدينة بورتوفيق ..

كانت جثث رفاقنا لا تزال طافية فوق سطح قناة السويس، قام العريف عبد السلام بنزع أنبوب كان مثبتاً فى عنق ضابط إسرائيلى جريح، انبثق الدم بشدة، هرولت ومعى بعض الجنود خلف عبد السلام، كان هائجاً يصرخ فى هيستيريا بأسماء زملائنا الذين استشهدوا، ويطالب بقتل كل الأسرى الإسرائيليين .. تمكننا فى النهاية من إنتزاع الأنبوب من بين أصابعه، تولى طبيب الوحدة المصرى عملية إنقاذ الضابط الإسرائيلى الأسير ...

فى منتصف التسعينات نشرت الصحف الإسرائيلية بعض التقارير عن بحث قام به " موتى جولانى " أستاذ التاريخ فى جامعة حيفا، تضمن الكشف عن بعض وثائق الجيش الإسرائيلى السرية وفيها ما يفضح قيام هذا الجيش بقتل أسرى الحرب المصريين، واتهام بعض كبار قادة هذا الجيش مثل إريل شارون، ورافائيل إيتان، والعقيد دانى وولف وغيرهم، ثم توالى الكشف عن هذه الجرائم التى تعد بالفعل جرائم حرب وحشية بإمتياز ..

كتبت مقالاً فى مجلة الدبلوماسى تحت عنوان : " لن ننسى ولن نغفر "، تناولت فيه هذه القضية من وجهة نظر القانون الدولى، وأكدت أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن دماء الأبرياء ستظل تطارد من ذبحوهم غدراً وغيلة إلى نهاية التاريخ ...

الموت أرحم :

لم نكن نعرف كل هذا حين كنا فى خنادقنا وملاجئنا فى الجبهة خلال سنوات الانتظار المريرة بعد نكسة 1967، وأتذكر أن الرقيب الشهيد/ محمد عبد العزيز رضوان كان يحكى لى ذات مرة عن ذكرياته فى حرب 1967، وكنا نستريح خلف صخرة بعد دورية مسائية، رأيت ملامح وجهه مقطبة على ضوء القمر حين كان يهمس لى بين أسنانه : " فى بلدنا يا أفندم بنقول أنا أخذت ثأرى بعد أربعين سنة، لأننى كنت متعجلاً "، ساعتها تضاحكت معه قائلاً : " لا أظن أننا سننتظر أربعين عاماً " ...

جيل كامل من شباب مصر، من كل قرية ومدينة فيها، الغنى والفقير، المتعلم وغير المتعلم، أعمار تتراوح ما بين بداية العشرينات إلى بداية الثلاثينات ..

جيل كامل اندفع بكل الغضب والأمل والإيمان ليقفز فى قناة السويس فى الساعة 1405 يوم السادس من أكتوبر 1973، وعندما حل المساء كنا فوق سيناء، فى تلك الليلة صادفت أحد الجنود من وحدة أخرى، كان منهمكاً فى تنظيف بندقيته بعناية مبالغ فيها وهو يدخن بشراهة، دعانى لمقاسمته علبة سردين مع بعض قطع البسكوت المملح، وأثناء ذلك تبادلنا التعارف، وعرفت منه أنه كان فى ممر متلا عام 1967 حين هاجمتهم القوات الإسرائيلية، وأتذكر أنه قال لى آنذاك : " رغم أننا رفعنا راية بيضاء كانوا يطلقون النار علينا بغزارة .. لقد أفلت من الأسر بمعجزة "، ثم نظر فى عينى وقال بخبرة مقاتل مخضرم : " أنت صاعقة لا تسمح لهم بأسرك أبداً .. الموت أرحم " ...

وبطبيعة الحال لم ألق بالاً لما قاله وقتها، كما أننى وغيرى كثيرون لم نكن نفكر فى فكرة الأسر، فإما النصر وإما الشهادة ...

بعد الحرب روى لى صديقى ورفيق سلاح الصاعقة ياقوت عن تجربته فى الأسر، لقد كان ضمن مجموعته الصغيرة يحاربون وحدهم فى منطقة الجناين قرب السويس لعدة أيام حتى نفذت ذخيرتهم، قص الفظائع التى ارتكبها الإسرائيليون مع الأسرى، وخاصة مع ضباط وجنود الصاعقة، وكان معنا صديق ورفيق ثالث اسمه فائق الذى أتذكر أنه قال غاضباً بعد أن سمع الرواية : " ليتنى قتلت الأسيرين اللذين وقعا فى يدى، لقد أعطيتهما ما تبقى معى من طعام وماء " .. وحكيت لهما بدورى قصة أسرى بورتوفيق ...

كان جندى الصاعقة شعبان هو البطل الحقيقى لإحدى قصصى التى فازت بالجائزة الأولى عن القصة القصيرة، وكان عنوانها : "هكذا يلعبون" وقد تم نشرها فى جريدة الإهرام أيضاً، عن مجموعة من الأسرى المصريين تم احتجازهم على مقربة من جبل عتاقة فى الطريق المؤدى إلى ميناء الأدبية، حيث قامت الدبابات الإسرائيلية بدهسهم أحياء، وكان شعبان ضمن القلائل الذين نجوا من هذه المجزرة، وظل لفترة عاجزاً عن النطق وتحت العلاج ...

هل يمكن النسيان ؟ :

قبل العبور كنا ننظر إلى العلم ذى النجمة السداسية الزرقاء على الشاطئ الآخر للقناة ويملأنا الغضب، كنا نستمع لعبد الحليم : " وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها .. جاها نهار ما قدرش يدفع مهرها "، كنا نتدرب بقسوة دون أن نشعر بالكمال يوماً، وحين كنا ننزل إجازاتنا الميدانية القصيرة نجد الشك فى كل العيون، حتى فى عيون الصبايا اللائى مللن الإنتظار، أتذكر إحداهن على وجه الخصوص كانت تسخر بشدة من الكلمات الحماسية، وتضجر من حكايات الجبهة، وعندما كنت أقول لها : سنحارب .. صدقينى، كانت تهز رأسها باستهزاء قائلة : فى المشمش !! ...

كنا نشعر بالأسى والإختناق ونحن نتطلع إلى صور أطفال مدرسة بحر البقر الذين مزقت أجسادهم الطائرات الإسرائيلية، نتساءل فى حرقة متى سيصدر أمر القتال؟، رغم أن الأهوال كانت أمامنا جسيمة، فلم تكن مهمتنا فقط عبور قناة السويس تحت نيران العدو، وإنما أيضاً إختراق حاجز ترابى هائل يصل إرتفاعه إلى حوالى عشرين متراً، ومجهز بأسلاك شائكة وألغام ونقاط حصينة لا تؤثر فيها قذائف المدفعية، كنا نريد أن نحارب وليكن ما يكون، وكثيراً ما كنا نوجه اسئلة شائكة لقادتنا فى مؤتمرات القادة بالجبهة، وأتذكر القائد جمال غانم ضابط الصاعقة الذى قاتل ببسالة فى 1967 حتى تم أسره، وحارب أيضاً بشجاعة منقطعة النظير حتى أسر مرة أخرى عام 1973، لقد غضب على الضباط الشباب ذات مرة فى ميس الضباط وقال : " مسؤليتكم هى تدريب جنودكم والإستعداد للحرب فى أى لحظة، أما قرار الحرب فهو ليس مسؤليتكم"، لقد قابلت هذا الضابط البطل بعد سنوات من الحرب وجلسنا نشرب القهوة فى جروبى، وكان كلانا قد خلع زيه العسكرى، وذكرته بذلك اليوم البعيد، فابتسم وهو يقول لى: لقد كان شعورى هو نفس شعوركم، بل أن أطفالى كانوا يسألوننى نفس الأسئلة المحرجة فى إجازاتى الميدانية وأغضب منهم بنفس الغضب "، عندما غادرنى البطل جمال غانم عصر ذلك اليوم، تابعته وهو يخرج من بوابة جروبى سائراً بصعوبة نتيجة للإصابات التى أثرت على ساقه، وكانت آخر مرة أراه، فالرجل الذى قاتل فى حربين وعانى من الأسر فى المرتين، مات وهو يقاتل في أرض بعيدة  ...

فى عام 1981، أندهش زميلى فى المكتب عندما وجد صور الأطفال ضحايا بحر البقر مثبتة تحت زجاج مكتبى، وسألنى فقلت له : حتى لا أنسى ...

نعم .. لم نكن نعرف آنذاك ما فعلته القوات الإسرائيلية بأسرانا، كنا نفكر فقط فى تحرير الأرض ومحو ذل هزيمة يونيو، كنا نريد أن تعرف المرأة التى أحببناها أننا قادرون على حمايتها وجديرون بشرف أن نكون فرسانها فى الغرام ..

بعد انتهاء خدمتي في الخارجية ، سارعت للقيد في نقابة المحامين ، وعندما ابدي مسئول لجنة القيد دهشته من أن سفيرا كان مساعدا لوزير الخارجية يبدأ مهنة جديدة في كهولته ، ظنا منه أنني أسعي لدخل يضاف إلي معاشي الضئيل ، شرحت له أن اهتمامي هو القضايا العامة مثل قضية إغتيال الأسري المصريين ، وكنت قد اتفقت مع المرحوم السفير إبراهيم يسري علي رفع دعوي في محاكم مصر ومحاكم أوروبية ضد إسرائيل .

في عام 2017 لم أتمكن من تجديد عضويتي في نقابة المحامين ...

ولكننى أنظر فى المرآة اليوم، إلى رأسى التى اشتعلت شيباً، إلى عينى اللتين ذبلتا وأهمس : " أترى حين أفقأ عينيك، ثم أثبت جوهرتين مكانهما، هل ترى ؟ " .. ربما تجيب الطفلة ميسرة على ذلك ذات يوم، وهو آت لا ريب فيه ...
----------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:31
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.8°C
توقعات الساعات القادمة
20.8°C
20.5°C
20.1°C
19.6°C
19.3°C
19.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,080ج.م
عيار 21
6,195ج.م
عيار 18
5,310ج.م
الجنيه الذهب
49,560ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...