أزمة البليت في مصر.. والأثر الاقتصادي لتصفية شركة الحديد والصلب
عاد في الآونة الأخيرة ملف خام البليت إلى واجهة اقتصاد سوق الحديد المصري، مع تجدد النقاش حول أوضاعه المتقلبة، وتظهر البيانات المتاحة أن المسألة لا تتعلق بنقص مفاجئ في تلك المادة الخام الاستراتيجية، بقدر ما ترتبط ببنية السوق نفسها، فالبليت يمثل المادة الوسيطة الأساسية في إنتاج حديد التسليح وأي تغير في توافره أو تكلفته ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج وحركة السوق. وتشير البيانات الصادرة عن منظمة التجارة العالمية إلى أن واردات مصر من البليت بلغت نحو 1.68 مليون طن خلال 2024 بزيادة سنوية قدرها 107% مقارنة بعام 2022، كما تشير تقديرات سوقية منشورة على موقع "أنتربرايز إيه.إم." EnterpriseAM إلى أن الواردات قد تصل إلى 2.6 مليون طن في العام نفسه، أي بما يعادل نحو 4.7 % من تجارة البليت العالمية، هذه الأرقام تضع مصر بين الأسواق النشطة في استيراد البليت وتوضح أن جزءًا معتبرًا من احتياجات الصناعة ما زال يعتمد على الخارج.
الإنتاج المحلي وفوضي الاستيراد
برغم ضخامة أرقام واردات سوق الحديد المصري، توضح البيانات سالفة الذكر أن الطاقة الإنتاجية المحلية للصلب في مصر تبلغ 13.3 مليون طن سنويًا، بينما يدور الطلب المحلي حول 9 ملايين طن سنويًا، وتشير في الوقت نفسه إلى أن إنتاج مصر من الصلب الخام بلغ 10.7 مليون طن خلال 2024، لكن هذه الأرقام لا تعني أن السوق المحلية لديها فائض متاح من البليت والسبب في ذلك أن رقم 13.3 مليون طن يعبر عن الطاقة الإنتاجية الإجمالية للصلب وليس عن إنتاج البليت وحده كما أن جزءً من إنتاج المصانع المتكاملة يدخل مباشرة في مراحل تصنيع لاحقة داخل نفس المنشآت ولا يطرح كله في السوق المفتوحة.
هنا تظهر نقطة أساسية في فهم أزمة البليت فالسوق لا تعمل على أساس إجمالي الطاقة الإنتاجية، بل على أساس الكميات المتاحة فعليا للشراء من قبل المنتجين الذين يعتمدون على البليت كمادة وسيطة ولهذا يستمر الاستيراد بمستويات مرتفعة رغم وجود قاعدة إنتاج محلية
الرسوم الوقائية وإعادة توزيع الضغط داخل السوق
في أبريل الماضي دخلت سوق البليت مرحلة مختلفة بعد إقرار تدابير وقائية نهائية على الواردات حيث فُرضت رسوم بنسبة 13%، على ألا تقل عن 3412 جنيه/طن في خلال الفترة من 2 أبريل 2026 إلى 13 سبتمبر 2026، ثم تنخفض إلى 12% بحد أدنى 3120 جنيه/طن حتى سبتمبر 2027، ثم إلى 11 % بحد أدنى 2860 جنيه/ طن حتى سبتمبر 2028، كما أُعفيت كمية سنوية قدرها 176770 طنًا من هذه الرسوم.
من الناحية الإجرائية، استند القرار إلى تحقيق شمل الفترة من 2021 إلى 2024 وخلال هذه الفترة ارتفعت واردات البليت في مصر من 1.68 مليون طن في 2024، بزيادة 107% عن العام السابق بحسب بيانات التحقيق نفسه، وفي المقابل أشار التقرير إلى أن مبيعات المنتج المحلي تراجعت بنسبة 22% خلال 2024، بينما انخفضت أرباح المنتجين المحليين بنسبة 56%. هذه الأرقام تفسر سبب فرض الرسوم الوقائية على واردات البليت لكنها توضح أيضا أن أثر القرار لم يكن واحدا على جميع أطراف السوق. فالمصانع المتكاملة التي تنتج البليت محليا استفادت من الرسوم لأن البليت المستورد أصبح أعلى تكلفة وبالتالي تراجعت حدة المنافسة القادمة من الخارج في المقابل، المصانع التي لا تنتج البليت وتعتمد على شرائه من السوق المحلي أو على استيراده تأثرت بصورة مباشرة لأن تكلفة الحصول على المادة الخام ارتفعت فوراً، وهذا الارتفاع انتقل بدوره إلى تكلفة الإنتاج و بالتالي لم تُنهِ الرسوم الفجوة القائمة بين الإنتاج المحلي والطلب، لكنها أعادت توزيع الضغط داخل السوق، جزء من الضغط انتقل من المنتجين المحليين الكبار إلى المصانع الأكثر اعتمادًا على البليت المستورد، وهو ما يفسر استمرار الجدل حول الملف رغم صدور القرار.
تصفية لاعب مؤثر في سوق البليت
لفهم أعمق لأزمة البليت الحالية هناك عنصر سابق في تكوين تلك الأزمة يتعلق بخروج أحد اللاعبين المحليين من السوق، هو شركة الحديد والصلب المصرية، فقبل قرار التصفية في 2021 لم تكن الشركة مجرد منتج تقليدي للحديد النهائي، بل كانت جزءا من الحلقة الإنتاجية التي تبدأ من الخام وتنتهي بمنتج وسيط يدخل مباشرة في سلسلة صناعة الحديد. هذه النقطة مهمة لأن جوهر أزمة السوق المصرية في السنوات الأخيرة لم يكن في المنتج النهائي بقدر ما كان في المنتج الوسيط أي البليت.
ففي السنة المالية 2019 ـ 2020 بلغ الإنتاج الفعلي للشركة 107662 طن، في حين كانت طاقتها التصميمية السنوية تصل إلى 1.2 مليون طن. هذا الفارق الكبير بين الطاقة المتاحة والإنتاج الفعلي كان نتيجة مباشرة لتعطل الأفران وتقادم المعدات وتراجع الاستثمار في الإحلال والتجديد. لكن رغم هذا التراجع، ظلت الشركة موجودة داخل السوق كأحد المصادر المحلية القليلة التي تنتج من الخام وهو ما منحها موقعا مختلفا عن كثير من المصانع التي تعتمد على شراء البليت أو استيراده.
في ذلك الوقت، كانت بنية السوق نفسها تفسر أهمية هذا الدور فمن أصل 34 شركة تعمل في صناعة الحديد في مصر، كانت هناك فقط 4 شركات متكاملة تمر بكل مراحل الإنتاج من الخام حتى المنتج النهائي، بينما كانت الأغلبية إما مصانع نصف متكاملة أو مصانع درفلة تعتمد على البليت كمادة وسيطة في هذه التركيبة، لم يكن حجم الطلب الأساسي يتجه إلى الحديد النهائي فقط، بل إلى البليت نفسه لأن الجزء الأكبر من الصناعة كان يقوم عليه.
ما كان يميز شركة الحديد والصلب المصرية أنها لم تكن فقط ضمن الشركات المتكاملة، بل كانت أيضا من المصادر المحلية التي كانت تطرح البليت في السوق ووفق شهادة منشورة لمصدر إداري سابق بالشركة فإنها كانت تمثل المصدر المحلي الرئيسي الذي تعتمد عليه مصانع الدرفلة في الحصول على البليت في وقت كانت فيه شركات متكاملة أخرى تستخدم إنتاجها داخليا ولا تطرحه للبيع إلا في نطاق محدود. هذه النقطة تفسر لماذا ظل استيراد المنتجات نصف المصنعة وعلى رأسها البليت يمثل الشريحة الأكبر من واردات الحديد في مصر حتى قبل التصفية.
بعد تصفية الشركة فقد السوق أحد الركائز التي كانت تمنحه قدرا من التنوع في مصادر الإمداد المحلي ومع خروج هذا المصدر أصبحت السوق أكثر اعتمادا على عدد محدود من المنتجين المتكاملين وفي الوقت نفسه استمر الاعتماد على الاستيراد لتغطية الفجوة ولهذا ارتفعت واردات البليت إلى 1.68 مليون طن في 2024 مع تقديرات سوقية ترفع الرقم إلى 2.6 مليون طن في العام نفسه. من هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة أزمة البليت الحالية باعتبارها واحدة من النتائج المباشرة لإعادة تشكيل السوق بعد تصفية شركة الحديد والصلب المصرية وفقد السوق لاعبا كان يشغل موقع مؤثر في حلقة إنتاج وتوفير البليت محليا والتي تدور حولها الأزمة اليوم.
-----------------------------------
بقلم: حسن البربري
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري