«خِراش» والظِّباء العجافُ !
يتسلّل إليَّ اليأسُ بين الحين والحين من الكتابة، خاصة بعدما صارتْ مهنة بلا عائد، وتسوَّر محرابها كلُّ من «هبَّ ودبَّ»، فأُتخمت المكتباتُ بعناوين كثيرة، اختلط فيها الحابل بالنابل، ونافس الغثُ السمين، وضحية ذلك هو القارئ المسكين .
من طريف ما قرأتُ أنَّه قديما، خرج (خِراشُ) للصيد يوما، فكثرت أمامَه الظّباء، فاحتار أشدَّ الحيرة، إلى أيِّها يوجّه سهمه، وكلُّها صيودٌ ثمينة، فقال مثله المشهور: « تكاثرت الظّباءُ على خراش، فلا يدري خراش ما يصيد ». أمَّا اليوم فنتاجُ المكتبات، صار كحال إبلٍ مائة، لا تجد فيها راحلة، فحُمَّى الكتابة أصابت الكل، وتملكتهم لوثةُ الإبداع، فتطلع من لا يفرِّق بين (الألف من كوز الذرة)؛ ليُنادَى بالمفكّر والكاتب والأديب، ولا عزاء للقرَّاء.
إنَّ كثيرا من العناوين الفارغة، التي تنوء بحملها أرففُ المكتبات، تقول للغيورين على تلك المهنة: «موتوا بغيظكم !».
طُبعتْ مؤخرا عناوينُ كثيرة وفجّة، كُتبت بمداد أقلام صدئة، لم يرد أصحابُها إلا الصيد في الماء العكر، واستغلوا نفوذ المال في غرس أنفسهم «طوعا أو كرها» في دنيا الفكر والإبداع، وتلك طامة الطوام .
طامة، لأنَّها عناوين بلا محتوى، يرنو أصحابها بناظريهم إلى (الشو) على حساب المضمون والمحتوى، أو يُخدِّموا على فكرة مغلوطة، ولهم من وراء ذلك مآربُ أخرى .
إنَّ الكتابة ـ يا سادة ـ أمانة، سيُسأل عنها العبدُ يوم القيامة؛ لأنَّ الكلمة باقية، حتى وإن رحل صاحبها، ولله درُّ الشافعي:
وما من كاتبٍ إلا سيفنى / ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء / يسرُّك في القيامة أن تـراه
لم أقصد من مقالي أبدا كاتبا بعينه؛ حتى لا يضرب القارئ «أخماسا في أسداس»، أو يخمِّن ويطرح أسماء بعينها، ولكنّي أناقش قضية عامة، وأزمة، شارك في افتعالها الكتَّاب (المزيّفون)، ودور النشر اللاهثة وراء الربح، في ظلِّ صمتٍ مُريب من المسئولين عن الثقافة، واتحاد الكتاب. بيد أنَّه يجب عليهما وضع قواعد صارمة، تضبط صناعة النشر، وتُغلِق الباب على كلِّ سمج لزج، يسعى ـ بليل ونهار ـ ليشتري لقب كاتب ومفكر بـ(فلوسه)، وعلى المعترِض أن يضرب دماغه في الحائط .
أتردَّد كثيرا على زملاء بالأقسام الثقافية بالأهرام، وغيرها من بينهم ـ عمنا الكبير أسامة الرحيمي ـ أروع محرر ثقافي التقيتُه، فأجد على أرفف مكتبته عناوين لا حصر لها، وقلما أظفر بعنوان، يسمن أو يُغني من جوع، فأعضُّ بأسناني على شفتي السفلى غيظا، سائلا الله أن يخلصنا مما نحن فيه من غم !
وأخيرا أقول: رغم قلة الكتاب المطبوع بالأمس، إلا أنَّه كان هناك مثقفون حقيقيون؛ لأنَّه كان هناك إخلاصٌ للفن، واحترامٌ لعقلية القارئ . أمَّا اليوم فالكل (يهبد)، وعلى المتضرر اللجوء للقضاء أو الموت كمدا !
---------------------------------
بقلم: صبري الموجي
ـ مدير تحرير الأهرام
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
الذبح لمن استطاع سبيلا
بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري