بين صدى التراث وروح العقيدة.. هل فقدنا جوهر الإسلام؟
في لحظة تاريخية فارقة، يجد المتمعن في واقع المجتمعات التي تحمل هوية الإسلام نفسه أمام سؤال وجودي مؤلم؟ هل نحن نعيش الإسلام كعقيدة واستسلام، أم أننا نعيش مجرد تراث ثقافي وعادات ورثناها عن آبائنا دون أن تمس جوهر قلوبنا أو تعيد صياغة ضمائرنا؟
أزمة المعنى حين يتحول الدين إلى هوية
إن المفهوم الحقيقي للإسلام هو الاستسلام لله؛ أي أن يكون الله هو الحاكم على ضمير العبد في سره وعلانيته، في ميزان تجارته، وفي تربية أولاده، وفي عدله مع خصمه. لكن الواقع المعاش في مصر، السعودية، الجزائر، المغرب، وغيرها من ديار المسلمين، يكشف عن فجوة سحيقة؛ فقد تحول الدين لدى الأغلبية إلى "قالب شكلي".
إننا نعيش حالة من الانفصام الصارخ: تجد الفرد يصلي ويصوم ويحج، ولكنه في الوقت نفسه يكذب، يسرق، يغش، يظلم، ويهمل رعاية بيته وأولاده. وعندما يذهب للسوق، يستفتح باسم الله ويقول توكلت على الله بينما يغش في الميزان ويدلس في سلعته. هذا ليس إسلاماً؛ هذا استخدام للدين كغطاء تبريري، أو ما يمكن تسميته بـ تخيل لله على مقاس الرغبات والأهواء، وليس إيماناً بحقيقة الإله العادل الرقيب.
الغثائية والوهن لماذا يخذلنا النصر؟
لقد نجحت قوى التغييب في نزع "روح" العقيدة من صدور الكثيرين، فأصبح الإنسان يمارس طقوساً شكلية، بينما يطلق العنان لهواه وطمعه. هذا هو التشويه الذي جعل الدين تراثاً يُتغنى به لا منهجاً يُحيا به.
لقد أصبحت أمة الملياري مسلم، التي تتوزع على 52 دولة، غارقة في الفساد، انعدام الضمير، وخراب البيوت، حتى في المحاكم التي يُفترض أنها ملاذ المظلومين، نجد الظلم والجور. وعندما يسأل المسلمون لماذا يحدث لنا هذا؟ ولماذا لا نتمكن من نصرة إخواننا في غزة ولبنان وإيران؟ ينسون القاعدة الإلهية القطعية: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. إننا لم ننصر الله في معاملاتنا، في أسواقنا، وفي أخلاقنا، فكيف ننتظر نصرة الله لنا؟
لقد وصف الرسول ﷺ حالنا بدقة متناهية في حديث غثاء السيل:
توشكُ الأممُ أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتِها. فقال قائلٌ ومِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيلِ، ولينزعنَّ اللهُ مِن صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهنَ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ، وما الوهنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا، وكراهيةُ الموتِ».
هذا "الغثاء" ليس غثاءً في العدد، بل في "الوزن الأخلاقي". فالعقيدة التي لا تمنع صاحبها من أكل الحرام، ولا تمنع الظالم من التمادي في ظلمه، هي عقيدة مغيبة عن الواقع، معطلة عن التأثير.
رسالة إلى من تبقى في قلبه نبضُ الحقيقة
إن بقاء الإسلام كعقيدة حية لا يعتمد اليوم على جموع الناس الذين اتخذوا الدين تراثاً وفلكلوراً، بل يعتمد على الفرد" الذي يقرر استعادة عقيدته من ركام الزيف. إن الاعتراف بأننا نعيش أزمة فقدان الله في معاملاتنا، واستبداله بتراث صوري، هو أول خطوات الإصلاح.
علينا أن ندرك أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. هذا التغيير يبدأ بالصدق مع الله، وإحياء الضمير، ورفض الغثائية. إن الإسلام كعقيدة لم ينتهِ، لكنه "اغتُرب" داخل واقعنا المادي والمصلحي.
إن كنت معترضاً على هذا التشخيص، فافتح عينيك وانزل إلى الأسواق، قابل التجار والصناع، ادخل أروقة المحاكم، وانظر إلى حال الأطفال في الشوارع؛ إن وجدت الإسلام حياً في معاملاتهم وأخلاقهم، فابلغني أين هو؟ إننا نعيش في "تراث" وتخيل، والواقع يشهد بخلو المكان من الإسلام كعقيدة حاكمة.
---------------------------
بقلم: عز الدين الهواري
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري