وداعًا طـائر الشـوك
لا يكف ولا يكل موج الأيام عن حركته البندولية. إقدامٌ وإدبار، محملاً بحبات رمل الذكريات. يلقيها على شاطئ العمر، حفنة إثرَ أخرى. متناثرة، ربما!. حائرة، ربما!. الشيء المؤكد أنها بعد قليل سوف تتزاحم وتتراكم فوق بعضها البعض. قَلقاً من وحدة، ربما!، أو أملاً في أنيس، من يدرى؟.
ويوماً بعد يوم تعلو الأكوام بارتفاع كف طفل، نسهو عنها ولا نلقي لها بالاً. تُلهينا المشاغل عن عناد الموج وصخبه وما يخبئه في فمه الهائل من رمال. بتعاقب الليل والنهار، تغدو أهراماتنا الصغيرة تلالاً ثم جبالاً، تتناثر على جنباتها علامات رحلة الحياة. دروب بعضها ظلٌ ظليل، مثمرةٌ أشجارها، دانيةٌ قطوفها، عذبٌ ماؤها. ودروبٌ تمر من صحراءِ الملح عبر صحراء الظمأ، ومن هجيرِ العدم إلى وطيس الوحدة. وها نحن نجلس في الشوط الأخير، على قارعة العمر مستنفرةً رواحلنا. مجهدةً جيادنا. قَلِقَةً أرواحُنا وقد ولت وجهتها صوب الغروب البعيد تتسمع صوت أبي العلاء المعري مُنشدًا:
تعبٌ كلُّها الحياةُ فما .. أعجبُ إلا من راغبٍ في ازديادِ
ما ضر أبا العلاء لو عاد إلى ذكرياته، وتقوى بها على الحاضر. أليس في حياة كل منا لحظات يحفظها في سراديب الذاكرة. ربما تشغلنا عنها الأيام، فتتوارى حتى نظن بها الظنون. يطمرها تراب الأحداث وركامها، ولا تغيب. ثم ها هي، ومن دون مقدمات، تقفز إلى شرفات الحاضر وتتصدر المشهد، طازجة وشهية. تَنعش رائحتها أنفاسنا وتعبقنا بطيبها. على مهل، نستعذب طيب عسلها، ونتشمم نسيم رائحتها، ونستدفئ بجميل حرارتها. نتشبثُ بها خشية أن تُغادِرَنا. نتحسس خميلتها في أُنسٍ وأُلفة. نَعُدها من غنائم العمر الحزين. نجترها صوتاً وصورة ومشاعر لتُعيننا على زمن فقد اسمه وعنوانه وقِبلته.
ربما كانت -تلك اللحظات- ضحكة خالصة من القلب في لحظة صفاء. كلمة صدق في موقف عَزَت فيه الصراحة وساد الخداعُ والزيف. حق يعود إلى أهله بعد سنوات تيه وضلال. أُمنيةٌ بدت في عيوننا الضيقة بعيدة ومن سِعَةِ اللهِ قريبة. ظلامٌ حالك أعقبه وهج يأخذ بالألباب.
لحظات تسكُن رحم الذاكرة، تتغذى ليل نهار عبر حبل سُري خفي، فلا تجف، ولا تذبل. دائماً وأبداً ريانة، شهية، وطازجة. تترسب الذكريات دونما نسق معلوم. أماكن نزورها لساعات، ونرجع منها بتلال من ذكريات، وأخرى نقضي فيها ما شاء لنا الله أن نقضي من عمر، فإذا أمواجنا صاخبة وهادرة وخاوية. وجوه تأبى الذاكرة أن تغيب.
في صحبة حقيبة سفر متعبة، وشجون تتخبط بين جدران النفس، فلا بوح، ولا شكوى، ولا نظرة عتاب، تصبح الكتابةُ أقرب للقبض على جمرِ المكاشفةِ والاعتراف بالشفاه. قلمٌ مراوغ، وورقٌ مُتعب، وأفكارٌ يؤجج زيتها نار واقع يُعاقرُ شره خيره وأدناه أعلاه. يغلى القدرُ على بخار محبوس، يتصارع دخانه، وماؤه، ودمه، وأحاسيسه، ليعود كما بدأ. تتلاحق ثمة انفجارات داخلية مكتومة، فلا بوح ولا شكوى. فلا أذنٌ تسمع، ولا عينٌ ترى، ولا قلبٌ يخشع. نقف على قارعة طريق العمر، رأسٌ مُطرَقْ، ونظرةٌ حزينة. يقول إبراهيم ناجى،
رفْرَفَ القلبُ بجنبي كالذبيحْ .. وأنا أهتفُ: يا قلبُ اتّئدْ
فيجيبُ الدمعُ والماضي الجريحْ .. لِمَ عُدنا؟ ليت أنّا لم نعد!
ناجى، شاعر الأطلال، عاش مُبدعاً ما نزف جُرحه، أبى – رغم تخصصه في الطب - إلا أن يحافظ على جُرحه نازفاً. يحقن قلمه من دمه. يجتر آلامه وأحزانه. يسترجع خيباته وانكساراته، ثم يكتب أروع الأبيات، ولا يلبث بعدها أن يرحل. تماماً كطائر الشوك حين يأتي أجله، يصعد إلى أعلى ما شاء له الله أن يتصعد ثم يهوي مُتكئًا على شوكة طويلة تخترق جسده الرهيف، فيردد الفضاء صدى أعذب تغريدات حياته، ثم لا يلبث أن تميل رقبته ويرحل مُخَلِفًا وراءه صمتًا ثقيلا.
(فلماذا قبل قطاف الورد نموت؟).. تساءل الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي في ديوانه الرائع "قمر شيراز" .. فهل من إجابة؟
----------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري