هل يُدفع نظام التأمينات الاجتماعية نحو الخصخصة؟
- أعطال السيستم وتراجع الإيرادات ومخاطر المساس بأحد أهم ركائز العدالة الاجتماعية
ليست المشكلة الحقيقية في هيئة التأمينات الاجتماعية مجرد تأخر خدمة أو تعطل إجراء، وإنما في التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي قد تترتب على استمرار الأزمة الحالية دون مصارحة أو معالجة جذرية.
فمنذ تشغيل النظام الجديد (CRM) في 24 فبراير 2026، وإيقاف النظام القديم (CICS)، تعاني الهيئة من تراجع ملحوظ في جودة الخدمات التأمينية، وعجز النظام الجديد عن أداء المهام التي كان يقوم بها النظام القديم بكفاءة واستقرار، الأمر الذي ترتب عليه حرمان أعداد كبيرة من المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات من الحصول على حقوقهم أو الوفاء بالتزاماتهم القانونية، بما أدى إلى حالة من الاستياء المتزايد وفقدان الثقة في المنظومة التأمينية.
والأخطر من ذلك أن الإيرادات اليومية لصندوق العاملين بقطاع الأعمال العام والخاص تراجعت - وفق المعلومات المتداولة - من نحو مليار جنيه يومياً إلى ما يقرب من 250 مليون جنيه فقط، وهو ما قد يضطر الهيئة إلى فك بعض الودائع لتوفير السيولة اللازمة لصرف المعاشات، بما يضعف قدراتها المالية ويزيد من الأعباء الواقعة على الدولة باعتبارها الضامن القانوني للمعاشات والممولة للعجز الاكتواري.
هل يتكرر سيناريو شركات قطاع الأعمال؟
المتأمل لما يحدث يلاحظ تشابهاً بين ما يجري الآن وبين المنهج الذي سبق اتباعه مع كثير من شركات قطاع الأعمال العام؛ إذ يبدأ الأمر بتراجع الأداء والخدمات، ثم ضعف الموارد والقدرات المالية، ثم تتصاعد الشكاوى المجتمعية، حتى تصبح الخصخصة في نظر البعض الحل الوحيد للخروج من الأزمة.
وهنا يبرز سؤال مشروع:
هل يجري تهيئة الرأي العام لقبول خصخصة نظام التأمين الاجتماعي؟
سؤال يفرض نفسه خاصة مع اتجاهات تشريعية ظهرت أخيراً، ومع الضغوط المالية التي تواجه الموازنة العامة بسبب تضخم الديون وأعباء الإنفاق.
لماذا قد تميل الحكومة إلى الخصخصة؟
قد يرى البعض داخل دوائر صنع القرار أن الخصخصة تحقق عدة أهداف، منها:
أولاً: تخفيف الالتزامات القانونية التي تتحملها الدولة بموجب قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، والتي تجعل الخزانة العامة ضامنة للمعاشات وممولة للعجز الاكتواري.
ثانياً: التخلص من أعباء سداد الأقساط السنوية المستحقة على الخزانة العامة لصالح الهيئة على مدار عقود طويلة، بما يوفر موارد للموازنة العامة في ظل الضغوط المالية الحالية.
لكن هل المكاسب المالية قصيرة الأجل تبرر المخاطرة بأهم نظام للحماية الاجتماعية في مصر؟
مخاطر الخصخصة أكبر من فوائدها
التأمينات الاجتماعية ليست شركة استثمارية، بل عقد اجتماعي بين الدولة والمواطنين، وأموالها ليست ملكاً للحكومة، وإنما مدخرات وحقوق لأكثر من أربعين مليون مواطن بين مؤمن عليه وصاحب معاش ومستفيد.
ومن أخطر السيناريوهات التي قد تترتب على الخصخصة:
توجيه استثمارات أموال التأمينات إلى الخارج بحثاً عن عوائد أعلى، بما يفقد الاقتصاد الوطني مورداً مالياً ضخماً.
تعرض المستثمر أو الجهة المديرة للتعثر أو سوء الإدارة.
تحول أصحاب المعاشات إلى رهائن لاعتبارات السوق والربح والخسارة.
تراجع الضمانات السيادية التي توفرها الدولة حالياً.
المساس بالسلم الاجتماعي وإثارة مشاعر القلق وعدم الاستقرار لدى ملايين الأسر المصرية.
فتح الباب أمام أزمات مجتمعية قد تستغلها قوى داخلية أو خارجية معادية للدولة.
العدالة الاجتماعية ليست عبئاً على الدولة
لقد قامت نظم التأمينات الاجتماعية في العالم كله على مبدأ التضامن المجتمعي، ولم تنشأ لتحقيق الربح، وإنما لضمان حياة كريمة للمواطن بعد انتهاء سنوات عمله.
ومن ثم، فإن حماية نظام التأمين الاجتماعي ليست مجرد التزام قانوني، بل واجب وطني ودستوري، وجزء أصيل من مفهوم العدالة الاجتماعية التي قامت عليها الدولة المصرية الحديثة.
المطلوب الآن
المطلوب ليس الخصخصة، بل:
إعلان حكومي واضح وشفاف حول مستقبل نظام التأمين الاجتماعي.
إجراء تقييم فني مستقل لتجربة النظام الجديد (CRM).
إعادة تشغيل النظام القديم أو العمل بالنظامين بالتوازي حتى استقرار الخدمات.
مساءلة المسؤولين عن أوجه القصور إن ثبت وجودها.
إشراك الخبراء والنقابات ومنظمات أصحاب المعاشات في أي قرارات تتعلق بمستقبل التأمينات.
التأكيد على استمرار التزام الدولة بضمان المعاشات وتمويل العجز الاكتواري.
إن التأمينات الاجتماعية ليست مجرد أرقام وحسابات، وإنما صمام أمان للمجتمع كله، وأحد أهم إنجازات الدولة الحديثة. وأي مساس بها أو تحويلها إلى سلعة تخضع لمنطق الربح والخسارة، ستكون له تكلفة اجتماعية وسياسية واقتصادية تفوق كثيراً أي وفورات مالية مؤقتة.
ولهذا، فإن بياناً حكومياً واضحاً لا لبس فيه أصبح ضرورة وطنية، حتى لا تتحول المخاوف إلى يقين، والشكوك إلى أزمة ثقة تمس أحد أهم أعمدة الأمن الاجتماعي في مصر.
--------------------------------
بقلم: كامل السيد
* خبير التأمينات والمعاشات
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري