هل يطبق خبراء التنمية البشرية ما يدعون إليه.؟!
على نهج الإحساس الذي تنقله بعض الأعمال الفنية الحديثة، مثل أغنية المطربة بوسي الأخيرة، يراودني سؤال مهم: عندما نشاهد مقاطع صانعات محتوى التنمية البشرية وهنّ يتحدثن عن العلاقات الأسرية بصورة مثالية وجذابة، فهل يُطبّقن هذه المبادئ فعلاً في واقعهن الحياتي، أم أن ما يُعرض هو نموذج نظري مُجمّل؟
في الحقيقة، ومن منظور علم النفس الأسري، لا يمكن اختزال العلاقات الأسرية في نصائح سريعة أو عبارات جذابة؛ فهي منظومة معقدة من التفاعلات الممتدة عبر الزمن، تتأثر بأنماط التعلق، والخبرات السابقة، والضغوط اليومية. لذا فإن ما يُعرض في هذه المقاطع غالبًا ما يكون “لقطة مثالية” لا تعكس بالضرورة التعقيد الواقعي للعلاقات، حيث لا يستطيع طرف واحد - مهما بلغ وعيه - أن يصنع علاقة متوازنة بمفرده.
ومن زاوية علم النفس الإيجابي، فإن الهدف ليس الوصول إلى المثالية، بل تنمية مهارات واقعية مثل الامتنان، والمرونة النفسية، وإدارة الانفعالات. غير أن المحتوى السريع قد يختزل هذه المفاهيم في شعارات براقة، بينما التطبيق الحقيقي يتطلب تدريبًا مستمرًا وممارسة يومية، قائمة على التوازن بين تقبّل الواقع والسعي لتحسينه، لا إنكاره أو تجميله.
أما من المنظور الديني، فالعلاقات الأسرية لا تقوم على الكمال، بل على الرحمة، والعدل، والصبر، والسعي للإصلاح. فالدين يُقر بوجود الخلاف، لكنه يوجه إلى حسن التعامل معه، مما يجعل النموذج الواقعي أقرب إلى “السعي المستمر نحو الأفضل” لا إلى صورة مثالية خالية من الأخطاء.
وفي إطار العرف والعادات، فإن العلاقات لا تنفصل عن السياق الثقافي الذي تعيش فيه، إذ قد تنجح بعض النصائح في بيئة معينة، لكنها لا تنسجم مع بيئات أخرى لها قيمها وتقاليدها الخاصة. ومن هنا، قد تنشأ فجوة إضافية بين ما يُعرض إعلاميًا وما يمكن تطبيقه فعليًا في الواقع الاجتماعي.
أما من منطق العقل، فمن غير الواقعي افتراض أن من يقدّم هذه النصائح يطبقها بشكل كامل؛ فالبشر بطبيعتهم يخطئون ويتعلمون. الفرق الحقيقي لا يكمن في الكمال، بل في مستوى الوعي، والقدرة على تصحيح المسار، والاستمرار في التعلم.
ومن هنا، يبرز تساؤل مهم: إذا كانت هذه المهارات قابلة للتطبيق، فلماذا لا تُدرَّس بشكل منهجي؟ والإجابة أن تعليم مهارات العلاقات لا ينبغي أن يُوجَّه لفئة دون أخرى، بل يجب أن يشمل كلا الجنسين، لأن العلاقة الأسرية نظام تشاركي لا يقوم على طرف واحد. كما أن هذا التعليم ينبغي أن يكون عمليًا وتدريجيًا، قائمًا على الممارسة والتجربة، لا على الطرح النظري السريع.
لذلك، فإن الإفراط في تقديم صورة مثالية للعلاقات الأسرية قد يخلق فجوة بين التوقعات والواقع. والأجدر - وفقًا للمنظور العلمي والديني والاجتماعي - أن تُقدَّم هذه المهارات بشكل متوازن وقابل للتطبيق، بحيث تُبنى السعادة الأسرية على الممارسة اليومية الواعية، لا على الشعارات. وحينها فقط يمكن أن تتحول من نموذج إعلامي محدود إلى واقع إنساني ممتد يشمل المجتمع بأسره.
-----------------------------------
بقلم: د. عبد المريد قاسم
* جامعتى العاصمة والامام محمد بن سعود الاسلامية
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري