هل يتخلى العقل الأمني عن السيطرة على الصحافة والإعلام؟
حين يتسلل العقل الأمني إلى مهنة قائمة على الحرية، فإنه لا يكتفي بتنظيمها، بل يعيد تشكيلها وفق منطقه الخاص، منطق الشك والسيطرة، وإدارة المجال العام باعتباره ملفًا يجب إحكام القبضة عليه. هكذا بدا حال الصحافة والإعلام في مصر خلال السنوات التي أعقبت ثورة يناير المجيدة، إذ لم تعد الكلمة تُدار من داخل غرف التحرير، بل من خارجها، عبر دوائر مغلقة لا ترى في الإعلام سوى أداة لا رسالة.
بعد لحظة الانفتاح القصيرة التي أعقبت الثورة، سرعان ما أُعيد ترتيب المشهد. دخلت عناصر من الأجهزة السيادية إلى قلب العملية الإعلامية، لا بوصفها جهة تنظيم أو حماية، بل باعتبارها مشرفًا مباشرًا على المحتوى والاتجاه، وعلى الوجوه التي تتصدر الشاشات والصفحات الأولى. لم يعد السؤال: ما الذي يهم القارئ؟ بل: ما الذي ينبغي أن يُقال؟ ومن يُسمح له أن يقوله؟
في الصحف الخاصة والحزبية، لم يعد تعيين رؤساء التحرير شأنًا مهنيًا خالصًا تحكمه الخبرة والرؤية، بل صار جزءًا من إدارة ملف أكبر. يُدفع بأسماء موالية، أو على الأقل غير مزعجة، لضمان أن تظل النغمة العامة منسجمة مع ما يُراد تمريره. ومن يخرج عن هذا السياق يُحاصر ويُهمَّش، ويُمنع عنه الدعم الإعلاني لصحيفته، كما حدث مع بعض الصحف المستقلة. ولا يختلف الأمر كثيرًا في معظم المواقع الإخبارية التي ظهرت في السنوات الأخيرة، إذ حظيت بعضُها بدعم سيادي خاص، عبر تسريب الأخبار والبيانات التي تمنحها انفرادات صحفية أو سبقًا إعلاميًا، فضلًا عن الدعم المادي من خلال توجيه المعلنين وأصحاب الشركات للإعلان عن منتجاتهم وأنشطتهم في هذه المواقع. أما الصحف القومية، فقد تحوّل رؤساء تحريرها في كثير من الأحيان إلى موظفين إداريين ينفذون توجيهات، أكثر مما يصنعون سياسات تحريرية حقيقية.
وعلى الشاشات، بدا المشهد أكثر وضوحًا. فمقدمو البرامج، الذين يُفترض أنهم صوت الجمهور، أصبحوا في حالات كثيرة مرتبطين بجهات تشرف على عملهم بشكل مباشر. تُحدد الموضوعات، وتُرسم الخطوط الحمراء، ويُضبط الإيقاع بدقة، بحيث لا يخرج عن النص المرسوم. لم يعد الحوار مساحة للاختلاف، بل منصة لتأكيد رواية واحدة، أو على الأقل لتجنب أي رواية أخرى.
ولم يقتصر الأمر على السيطرة من الخارج، بل امتد إلى إنشاء منصات إعلامية كاملة: قنوات وصحف ومواقع تابعة بشكل مباشر أو غير مباشر لهذه الجهات. وهنا لم تعد المنافسة قائمة على المهنية أو جودة المحتوى، بل على النفوذ والقدرة على الوصول إلى الموارد والإعلانات. تدريجيًا، جرى تهميش الأصوات المستقلة، أو إدماجها، أو دفعها إلى الصمت.
كانت النتيجة واضحة: إعلام يفقد تنوعه، وصحافة تفقد قدرتها على الرقابة والنقد. الجمهور، الذي أصبح أكثر وعيًا بفعل تعدد مصادر المعلومات، بدأ يشعر بأن ما يُقدَّم له لا يعكس الواقع كاملًا، بل جزءًا منه. ومع هذا الشعور، تراجعت الثقة، وتآكلت المصداقية، وهي رأس مال أي مؤسسة إعلامية.
المفارقة أن الهدف المعلن من هذه السيطرة كان «ضبط المشهد» ومنع الفوضى، لكن النتيجة الفعلية كانت إضعاف المهنة نفسها. فالإعلام حين يُحاصر لا يصبح أكثر انضباطًا، بل أقل حيوية. والصحافة حين تُدار بعقل أمني تفقد جوهرها القائم على السؤال، لا الإجابة الجاهزة.
ورغم هذا الواقع المعقد، يظل الأمل قائمًا ومطروحًا، خاصة مع تعيين ضياء رشوان وزيرًا للدولة للإعلام. فهذا التعيين قد يفتح نافذة لإعادة التوازن إلى المشهد، إذا ما اقترن بإرادة حقيقية لإعادة الاعتبار للمهنية، وترك مساحة أوسع للصحافة لتؤدي دورها الطبيعي. فالرجل القادم من خلفية صحفية ونقابية يدرك بحكم الخبرة أن الإعلام لا يُدار فقط بالتوجيه، بل بالثقة، ولا يزدهر إلا في بيئة تسمح بالتعدد والاختلاف.
ربما تكون هذه لحظة مناسبة لإعادة طرح السؤال بجدية: هل يمكن الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة؟ وهل تُمنح المؤسسات الإعلامية فرصة لاستعادة دورها كسلطة رقابية مستقلة، لا مجرد صدى لوجهة نظر واحدة؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها ممكنة، إذا ما توفرت الإرادة.
فالدولة القوية لا تخشى إعلامًا حرًا، بل تستفيد منه. والإعلام المهني لا يتناقض مع الاستقرار، بل يدعمه عبر كشف الخلل قبل أن يتفاقم. والتوصية هنا ليست صدامًا، بل فصلًا للأدوار: أن تبتعد الأجهزة الأمنية عن ملف الصحافة والإعلام، وتتركه لأهله.
وكما يقول المثل الشعبي: «أعطِ العيشَ لخبّازه ولو أكل نصفَه»
.. أما أن يُدار الإعلام بعقل أمني، فهذه وصفة مضمونة لإنتاج ضجيج كثير، وحقيقة غائبة.
----------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
الذبح لمن استطاع سبيلا
بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري