الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 25.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي

نقد فني | "شنب البنات".. حين يتحول الموروث الشعبي إلى سؤال عن السلطة والهوية

نقد فني | "شنب البنات"..  حين يتحول الموروث الشعبي إلى سؤال عن السلطة والهوية
استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:47

انتهى أمس عرض "شنب البنات" من تقديم ليلته الثانية أمام لجنة التحكيم، حيث يُشارك العرض في سباق عروض الدورة التاسعة عشر من المهرجان القومي للمسرح ضمن عروض مركز أول إبداع متخصص التابع لوزارة الشباب والرياضة. 

يقدم عرض "شنب البنات" تجربة مسرحية تنتمي إلى منطقة تمزج بين الفانتازيا الشعبية والدراما النفسية، مستندة إلى حكاية تبدو غرائبية في ظاهرها، لكنها تخفي أسئلة أكثر عمقًا حول السلطة الاجتماعية والهوية، والصورة النمطية للمرأة داخل المجتمع، وذلك في قالب كوميدي ساخر استطاع أن يدمج الجمهور بالكامل في أحداثه، بتفاعل ظهر جليًا في مسرح المعهد العالي للفنون المسرحية. 

تدور أحداث العرض حول ثلاث فتيات يعشن مع جدتهم تحت وطأة لعنة غامضة تجعلهن يتحولن من إناث إلى ذكور فيصبح هذا التحول الجسدي إلى نقطة انطلاق لسلسلة من الصراعات النفسية والاجتماعية، حيث يصبح "الشنب" رمزًا تتجاوز دلالته الشكل الخارجي ليصبح علامة على القوة والهيمنة والوصم الاجتماعي في الوقت نفسه. وقد اعتمد العرض على هذه الفكرة بوصفها استعارة مسرحية أكثر من كونها حدثًا واقعيًا، وهو ما منح النص مساحة واسعة للتأويل.

منذ اللحظات الأولى، ينجح العرض في خلق عالمه الخاص؛ عالم لا تحكمه قوانين الواقعية المباشرة، وإنما منطق الحكايات الشعبية والأساطير الصغيرة التي تتناقلها المجتمعات، حيث تمتزج الخرافة بالحقيقة، ويصبح المستحيل جزءًا من الحياة اليومية. هذه البيئة الدرامية كانت من أهم نقاط قوة العرض، لأنها سمحت للمخرج بأن يبني خطابًا بصريًا لا يعتمد على الشرح، وإنما على الإيحاء.

إحدى أبرز مزايا «شنب البنات» تكمن في قدرته على تحويل فكرة بسيطة إلى قضية اجتماعية متعددة المستويات، فالشارب ليس مجرد تفصيل كوميدي أو غرائبي، بل يتحول تدريجيًا إلى رمز للسلطة الذكورية التي تفرض نفسها حتى على أجساد النساء، ومن هنا يطرح العرض سؤالًا بالغ الذكاء: هل القوة مرتبطة فعلًا بالمظهر الذكوري، أم أن المجتمع هو الذي يمنح هذا المظهر قيمته وسلطته؟

هذا السؤال لم يُطرح عبر خطب مباشرة، وإنما من خلال تطور الشخصيات، وتبدل نظرة المحيطين بهن، وهو ما منح العرض بعدًا فكريًا دون أن يفقد طابعه المسرحي.

على مستوى البناء الدرامي، اعتمد النص على تصاعد الأحداث عبر كشف أسرار اللعنة تدريجيًا، مع الحفاظ على قدر من الغموض حتى المراحل الأخيرة، ورغم أن هذا الأسلوب حافظ على التشويق، فإنه أوقع العرض أحيانًا في بطء الإيقاع، خاصة في بعض المشاهد التي أطالت زمن الحوار دون إضافة تطور حقيقي للصراع.

وكان من الممكن اختصار عدد من المشاهد الانتقالية لصالح تكثيف المواجهات الأساسية بين الشخصيات، لأن العرض يبلغ ذروته كلما اقترب من الصدام النفسي، ويتراجع قليلًا عندما ينشغل بتفسير ما يحدث بدلًا من تجسيده.

أما الإخراج، فقد أظهر وعيًا واضحًا بطبيعة النص الرمزية. إذ لم يسع المخرج إلى تقديم اللعنة باعتبارها حدثًا خارقًا فحسب، وإنما بوصفها حالة مسرحية تسمح بتوليد صور بصرية متتابعة، وقد ساعدت الحركة الجماعية للممثلين، مع توظيف الإضاءة والظلال، في خلق أجواء تجمع بين الكوميديا السوداء والدراما النفسية.

كما نجح العرض في استثمار الفضاء المسرحي بصورة جيدة، فلقد استخدام عمق خشبة المسرح لبناء ثلاث غرف للبنات الثلاثة، بينما اُستخدمت المنطقة الأمامية لوضع ديكور بسيط يشمل صالة المنزل وباقي الأماكن التي تنتقل لها الفتيات المتحولات خلال الأحداث المختلفة، ورغم أن مصمم الديكور اعتمد على بناء قطع كبيرة في الحجم إلا أنها لم تشغل الفضاء المسرحي ولم تعق حركة الممثلين، وإنما على العكس تمامًا شملتهم بشكل ذكي ليتحركوا داخلها بأريحية تامة. 

وجاءت السينوغرافيا متسقة مع المناخ العام للعمل، إذ اتجهت إلى البساطة المدروسة، مع توظيف الإضاءة لإبراز التحولات النفسية أكثر من استخدامها كعنصر زخرفي، وأسهمت الموسيقى والمؤثرات الصوتية في تعزيز الإحساس بالغموض، وإن كان بعضها جاء مباشرًا أكثر من اللازم، خصوصًا في المشاهد التي كانت تمتلك قوتها الدرامية بالفعل، فلم تكن بحاجة إلى تأكيد موسيقي إضافي.

تمثيليًا، حملت الشخصيات الثلاث العبء الأكبر في قيادة العرض، وعلى عكس ما قد يتخيل من لم يتمكن من مشاهدة العرض، فالأبطال في "شنب البنات" كانوا أربع شخصيات ذكورية، حيث اختفت البنات أو الممثلات بمجرد وقوع اللعنة، وهنا قد نقع في فخ التساؤل: هل يستطيع رجل أن يقدم شخصية امرأة دون الوقوع في الأداء المبتذل كما شاهدنا طوال عقود سابقة من نجوم كبار في أفلام شهيرة ؟، والحقيقة هي أن الشباب الثلاثة الذين لعبو دور البنات المتحولات استطاعوا بنسبة كبيرة أن لا يقعوا في هذا الفخ وقدموا أداءًا متوازنًا، بل إنهم انفعلوا داخليًا بمشاعر انثوية بصدق كبير جعل المشاهدين يغوصوا معهم في همومهم دون أن ينسوا أصلهم الأنثوي حتى وإن بدين في أجساد رجال، لكن العرض لم يخلُ من بعض المبالغات الأدائية في عدد من المشاهد الكوميدية، إذ اتجه بعض الممثلين إلى رفع مستوى الانفعال الصوتي والحركي على حساب العمق النفسي، وهو ما أفقد بعض اللحظات حساسيتها، خاصة أن النص نفسه لا يحتاج إلى مبالغة حتى يحقق تأثيره.

من الجوانب الجديرة بالتقدير أن العرض لم يقع في فخ الخطاب النسوي المباشر أو الشعارات الجاهزة، بل اختار أن يترك للجمهور مهمة تأويل رموزه، فاللعنة يمكن قراءتها بوصفها رمزًا للوصم الاجتماعي، كما يمكن اعتبارها استعارة للسلطة أو للخوف من الاختلاف أو حتى للعقاب الذي يفرضه المجتمع على من يخرج عن قوالبه التقليدية.

هذه المساحة التأويلية منحت «شنب البنات» قيمة فكرية تتجاوز الحكاية نفسها، وجعلت العرض مفتوحًا على قراءات متعددة، ورغم ذلك جاءت النهاية أقل قوة من المتوقع مقارنة بما سبقها من بناء درامي، فبعد رحلة طويلة في صناعة الغموض والتوتر، بدا الحل أكثر مباشرة، وكأن العرض استعجل إغلاق دوائر الصراع بدلًا من ترك أثرها مفتوحًا في ذهن المتلقي، في حين كان من الممكن أن تمنح نهاية أكثر التباسًا ليترك أثرًا أعمق يتناسب مع طبيعة رموزه وأسئلته، لكن يبدو أن مؤلف العمل والذي شارك في التمثيل أيضًا، مينا نبيل، والمخرجة التي شاركت بالتمثيل كذلك عزة حسن فضلا أن يُسعدا الجمهور بتقديم نهاية سعيدة ترضي الجميع. 
----------------------------------
بقلم: أمنية طلعت المصري


تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
25.0°C
توقعات الساعات القادمة
25.0°C
24.1°C
23.6°C
22.7°C
21.7°C
21.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار

- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...