الأحد، 08 نوفمبر 2026 القاهرة 21.1°C
رئيس التحرير مجدي شندي
نقاش الأحوال الشخصية (1): القوامة والحضانة أو الأساس الديني للحرب الزوجية

نقاش الأحوال الشخصية (1): القوامة والحضانة أو الأساس الديني للحرب الزوجية

المشكلة في الأحوال الشخصية هي الأساس الديني للقانون، والأساس الديني يجعل القانون عاجزا- إن لم يكن أعمى - أمام رؤية الواقع، ومن ثم يسهم قانون الاحوال الشخصية في مفاقمة أزمات الاسرة والطلاق، ويتسبب في ملء محاكم الأسرة والاحوال الشخصية بملايين الحالات التي تحتكم إلى قانون هو ذاته جزء من الأزمة الثقافية العامة المنتجة للأزمات.

النموذجان الهامان لما يخلقه هذا الاساس الديني (الشرعي حسبما يطلق عليه) هما نموذج النفقة والحضانة. يفترض القانون ذو الأساس الديني أن النفقة تتعلق حصرا بالرجل في الزواج والطلاق، وذلك بالمخالفة التامة للواقع، فالإحصائيات مثلا تقول أن أكثر من ثلث العائلات المصرية تحت رعاية ونفقة امرأة معيلة، والواقع المعاش يؤكد أن المبدأ السائد في حالة الزواج والطلاق هو مبدأ: "لينفق كل ذو سعة من سعته"، بعكس المبدأ الديني الذي يجعل منه القانون أساسا له وهو: "الرجال قوامون على النساء بما أنفقوا"، فالحالة العامة الشائعة في الأسر المصرية اليوم هو أن الزوجة تعمل وتكسب وتنفق على بيتها كالرجل سواء بسواء. وفيما يتجاهل القانون هذه الحقيقة العملية المعروفة لصالح تفعيل مبدأ ديني لم يعد له أثر في الواقع هو "قوامة الرجل"، تخلق القوامة العديد من المشكلات في العلاقات الاجتماعية والأسرية، مثل مشكلة تعدد الزوجات الذي يتمسك به المتدينون باعتباره حقا من حقوق قوامة الرجل، ومثل مبدأ العصمة الذي يعطي الرجل حق إنهاء العلاقة الزوجية بكلمة وهو المعروف بأزمة "الطلاق الشفوي". في حين أن الواقع يؤكد أن مبدأ قوامة الرجال "بما انفقوا" لم يعد له وجود في الواقع ولا ضرورة له في القانون، اللهم إلا لو كان خلق الأزمات والمشكلات الأسرية ضرورة في نظر القانون!.

النموذج الثاني هو "حضانة الام" وهو أيضا مبدأ ديني فقهي لا علاقة له بما يؤكده الواقع وتؤكده نظريات العلم. فحضانة الأطفال بمعنى تربيتهم هو أمر لا غنى عن تقاسمه بين الأم والأب، والأولاد والبنات في أي مرحلة عمرية هم في حاجة إلى وجود وتربية الأبوين بلا تفرقة. لكن القانون الخاضع لتحديدات فقهية تاريخية لا علاقة لها بالعلم الحديث وأوضاع المجتمع يفترض أن الطفل يحتاج أمه إلى سن معينة ثم يحتاج أباه بعد هذه السن!!، ولا ادري كيف يصدق الناس أو الفقهاء انفسهم مثل هذه الخرافة البعيدة عن الواقع. فالطفل في مصر يظل سواء قبل وبعد البلوغ في حاجة إلى الأب والأم معا، ومن ثم فإن مفهوم "حضانة الأم" باطل من الجهة النفسية والعملية لكنه مفعل من جهة قانونية ودينية. فالقانون الذي يعطي للأب حقوق القوامة ينزع منه حقوق الحضانة، اعتقادا بان ذلك يؤدي إلى توازن و"مساواة"، وبما أن هذه التفرقة ذاتها تقوم على التفرقة واللامساواة بين الجنسين، والنظر إليهما كما لو لم يكونا معا - المرأة والرجل - ينتميان إلى نفس النوع البشري، وأن كلا منهما آدمي يتقاسم الحقوق والواجبات بطريقة مشتركة سواء في أعباء الحياة (النفقة) أو في تربية الأولاد (الحضانة).

بهذه الفلسفة التي تقسم النفقة والحضانة بين طرفي العلاقة الزوجية بصورة جائرة تحكمية غير علمية وغير عملية، يكون القانون قد وضع اسس الحرب والخصام والنزاع القانوني الذي تمتليء ساحات المحاكم المصرية بالملايين منه، دون أقل أمل في الوصول إلى حل مريح للطرفين ولمصلحة الأولاد، مع تقييد المشرع بمفاهيم التراث الفقهي التي لا تتعامل مع واقع اجتماعي متغير على الأرض، لكنها تتعامل مع أحكام دينية وشرعية مكانها الوحيد الواقعي الملائم هو بطون الكتب الصفراء. لأن مبدأ المساواة (الحقيقي وليس الدعائي الشعاري) يقتضي أن تقسم أعباء النفقة والحضانة بين طرفي العلاقة بالتساوي، كما هو عليه الحال في الواقع الفعلي على الأرض. وبتلك المساواة فقط لا تتحول النفقة إلى سلاح في يد الزوج يحارب به معركته من أجل القوامة، ولا تتحول الحضانة إلى سلاح في يد الزوجة تحارب به معركتها من اجل لي ذراع قوامة الرجل. ونتجنب ايقاع الضرر بالمضار الوحيد في كل الأحوال وهم الاطفال ثمرة العلاقة الزوجية المأزومة في حالة الزواج كما في حالة الطلاق بما يسببه المفهوم الديني للنفقة والقوامة من مشكلات وشروخ لا تلتئم في أساس العلاقة بين الرجل والمرأة. فالمرأة التي تعمل وتنفق تعتبر الرجل مقصرا في القيام بواجباته المالية، والرجل الذي يستريح من أعباء حضانة وتربية أولاده المفروضة عليه يشعر في أعماقه بظلم الحرمان منهم.
------------------------
بقلم: عصام الزهيري

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:14
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
21.1°C
توقعات الساعات القادمة
21.1°C
22.0°C
22.8°C
23.9°C
24.2°C
24.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر

أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...

وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...