نحبهم.. ولكن لا نعوّل عليهم!
ثَمّة صنفٌ من البشر يمرّون في أعمارنا كملمس الحرير، ينسابون في الروح برِقّةٍ مباغتة، كأنهم تلك النسمة التي تأتي في عزّ حرّ الصيف، لتهبنا ارتعاشةً من الانتعاش، ثم تمضي دون أثر ، نحبّ وجودهم، ونستلذّ بحديثهم، ونأنس بوهج حضورهم الذي يبعث في النفس طمأنينةً مؤقّتة، لكننا في أعماقنا التي لا نجرؤ على البوح بها ندرك يقينًا أنهم لا يُعوَّل عليهم .. فهم يشبهون تلك المقاعد الخشبية القديمة المنصوبة في طرقات الحدائق؛ تمنحك استراحةً لطيفة لبرهةٍ من الزمن، لكنها لا تحتمل ثِقل روحٍ تبحث عن سندٍ حقيقي، ولا تقوى على حمل أوجاعك حين يشتدّ عليك المسير.
إن هذا الوجود الهشّ يُجسِّد ما ذهب إليه محمود درويش حين قال:
"إن القلوب حين تمتلئ بالظنّ الجميل تصبح أكثر عُرضة لوجع الخيبة"؛
فنحن في غمرة حاجتنا للأمان نرتكب خطيئة الإفراط في الظن، بينما يبرعون هم في فنّ الغياب أو الحضور الباهت، فتصبح العلاقة معهم رهينة المصادفة والظرف اللحظي، لا نتاجًا لعمق الالتزام أو متانة الوفاء ، هؤلاء هم الذين نلتفت إليهم في لحظات العَوَز والاحتياج فلا نجدهم؛ مشاعرهم تتشكّل وتتغيّر وفق ما تسمح به فوضى أيامهم ومزاجيتهم المتقلّبة.
وتتعدّد أقنعة هؤلاء في حياتنا لتمسّ أدقّ دوائرنا؛ فمنهم الصديق الذي يملأ الدنيا ضجيجًا ومرحًا في أوقات فراغه، ويكون خير رفيق في نزهة أو سهرة، لكنه يتبخّر عند أوّل بادرة ضيقٍ ماديّ أو معنويّ. ، ومنهم الحبيب الذي يُغدق عليك كلمات الغرام ويعدك بالبقاء للأبد، متمثّلًا كلمات نزار قباني عن الحبّ المستحيل، لكن حبه في الحقيقة هو حبٌّ لـ"حالة الحب" لا "للشخص" بظروفه وانكساراته؛ فهو يهوى الطريق المُمهَّد بالورد، وما تغدقه عليه من مشاعر واهتمام، وينسحب عند أوّل منعطفٍ وعر ، بل إنّ منهم الأقارب الذين تملأ وجوههم الابتسامات في المناسبات الموسمية، لكنك عند حاجتك إلى موقفٍ حاسم أو سندٍ عائلي، لا تجد منهم إلا دعواتٍ باردة تُرسل عن بُعد، وكأن صلة الدم عندهم مجرّد طقسٍ اجتماعي لا يترتّب عليه عبء أو تضحية.
إن المؤلم في هذه العلاقات ليس تقصيرهم بحدّ ذاته، بل ذلك الكرم غير المفهوم الذي تمنحه قلوبنا لهم؛ فنحن نُصدّق كلماتهم ونبني عليها آمالًا عريضة، بينما لا يشهد واقعهم على صدق ما يقولون ، فبين القول والفعل مسافة شاسعة لا يقطعها إلا أولو العزم من الرجال .. وهنا ينهض السؤال الثقيل حول مكانة هؤلاء في حياتنا؛ فنحن لا نقوى على كرههم لأن وجودهم يمنحنا نوعًا من الجمال العابر، ولا نستطيع الاعتماد عليهم لأن غيابهم المتكرّر يشبه خرابًا صغيرًا يتكرّر في كل مرة ، ولذلك نضعهم في تلك المنطقة الرمادية التي وصفها علي بن أبي طالب بأنها تختبر الرجال عند الحاجة والغضب والسفر؛ فإذا لم نجدهم في هذه المواطن، أيقنّا أنهم ليسوا سوى ظلالٍ تمشي على الأرض.
ولا شكّ أن ثَمّة نضجًا قادمًا لا محالة، يولد من رحم تلك الخيبات المتكرّرة، وهو نضج يبدأ حين ندرك أن فنّ التعامل مع هؤلاء "العابرين الدافئين" لا يكمن في محاولة تغييرهم، بل في إعادة رسم خرائطنا النفسية بحيث لا يكونون هم "المركز" وهذه أولى خطوات التحرّر من سطوتهم العاطفية بأن ننزع عنهم صفة "السند" ونُلبسهم رداء "الضيف" ، فالمطالبة بالثبات من شخصٍ لا يملك إلا الرقة العابرة هي نوعٌ من العبث الذي يستنزف الروح. وحين نتعامل معهم بمنطق "الاستمتاع بالموجود دون انتظار المفقود"، نتحرّر من قيد الترقّب، ونكفّ عن لومهم على عجزهم، تمامًا كما لا نلوم الزهر لأنه لا يُثمر، أو السحاب لأنه لا يُمطر؛ فقبول حدود الآخر هو أول طريق السلام مع النفس.
والكثير من التجارب معهم يصل بنا الي قناعة بأن بعض الناس يصلحون ليكونوا "رفقاء لحظات" لا "أعمدة حياة".. يصلحون للحديث لا للاتكاء، وللفرح العابر لا للأمان الطويل ، قد يحبّوننا بطريقتهم، لكن طريقتهم لا تُسعفنا، ولا تليق بنا، ولا تُلبّي ما نستحقه من حضورٍ ثابت.
وبعد تعبٍ طويل، نصل إلى حكمةٍ مفادها أننا لا يجب أن نغضب منهم بقدر ما ينبغي أن نفهم حدودهم؛ فالإنسان لا يعطي إلا بقدره، ولا يستطيع أن يكون سندًا إن كان نصفه غائبًا عن نفسه أصلًا ، ولذلك فإن إنصاف أنفسنا يقتضي ألّا نطلب من أحدٍ ما لا يقدر عليه، وألّا نمضي في طرقٍ نعرف أنها تؤدي إلى خيبة.
نحبهم، نعم… لكننا لا نعوّل عليهم.
نُقدّر دفئهم، لكننا نعرف أنه لا يكفي لنشعل به برد العمر.
ونترك لهم مكانًا في القلب، لكن بعيدًا عن المنطقة التي تُبنى فيها الأمانات وتُعلّق عليها الحياة.
هكذا فقط نضعهم في موضعهم الحقيقي: جميلون… لكنهم ليسوا لنا،
والرحلة تستمرّ بمن هم أجدَر بالبقاء.
----------------------------
بقلم: سحر الببلاوي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري