الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 19.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي

مي التلمساني تكتب عن الراحل صبري موسى

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:35

تذكرت صبري موسى منذ يومين ووجدتني أخرج كتبه من المكتبة وأزيل عنها الأتربة بشيء من الحنين واللهفة. لم أكن في حاجة لإعادة قراءة جانب منسي من الأدب المصري الحديث، فما زالت روايات صبري موسى حاضرة في أذهان الناس بعناوينها الجذابة، «فساد الأمكنة»، «حادث نصف المتر»، «السيد من حقل السبانخ»... وما زالت كتابته القصصية رغم طابعها الصحفي تثير الدهشة. لكني تذكرت روايته الأخيرة تحديدًا بمناسبة حقل آخر من زمن آخر، بدا وكأنه قادم من زمن المستقبل الفضائي الذي وصفه صبري موسى في «حقل السبانخ». كنت في السيارة على طريق صلاح سالم، وكنت أفكر بشيء من اليأس الهادئ في حال الناس وحال السياسة وتقلباتها وفساد الأذواق والأمزجة وتحول المعارك الصغيرة بين الناس لمعارك مخيفة وكأننا على حافة حرب أهلية... لم يخرجني من أفكاري سوى انتباهي المفاجئ لسيارة كادت تتوقف على يسار الطريق رغم أن السير البطيء مخصص له يمين الطريق، فضلاً عن أن أنوار الفرامل فيها كانت معطلة. تجنبت التصادم في اللحظة المناسبة وقد انخلع قلبي ووجدتني أقول في نفسي إن الحياة هنا تشبه الحياة في حقل بطاطس! باعتبار أن البطاطس مرادف في اللغة اليومية للجهل الأرعن والفوضى. ثم أضافت نفسي: وها هو الحقل قد تعفن ونضح جوفه بما فيه من عفن.

ظلت الصورة عالقة بذهني طوال الطريق، وبدأت تتخذ شكلاً كابوسيًّا وأنا أقترب من البيت. بطاطس تشبه أنوف الناس التي تعودت الروائح الكريهة فاستطالت وتضخمت ونمت على طرطوفتها الدمامل والبثور. تشبه ألسنتهم التي تعودت «التطجين» ولغتهم اليومية التي كانت تضرب بها الأمثال في الرقة والتهذيب فإذا بها تتحول إلى لغة ثقيلة فظة. بطاطس مهروسة كأدمغة الجهلاء التي تعودت الكسل وكفت عن التفكير فأصبحت مسخًا هلاميًّا، يستوي في ذلك المتعلم منهم وغير المتعلم. بطاطس تعمل في الخفاء مثل جذور لا تنبت لها أوراق لكنها خبيثة تأكل من خير الأرض ولا تنفع أحدًا غير نفسها والناس جميعًا يرونها ويعرفون ضررها لكنهم لا يجتثونها ولا يخلصون الحقل منها. حقل بطاطس تعفن ولم تعد رائحته الكريهة تخفى على أحد، حقل تزرعه السلطة بأشكالها، فكرية وسياسية ودينية، وترعاه تحت غطاء المعرفة والحرية والفضيلة، ترعاه بحكمة رعناء ووجه تغطيه الندوب.

أعدت قراءة «السيد من حقل السبانخ» لأني أحتاج إلى التفكير في حدوتة هذا الحقل، حقل البطاطس العالمي، وكيف تبدو صورته أكثر تشوهًا في مصر. حقل جديد يعيش فيه الإنسان هنا وفي العالم مثل حيوان ناطق لا يفكر، عقله مبرمج على الطاعة، لسانه مبرمج (في أفضل الظروف) على إبداء الرأي دون سند من علم أو معرفة، ووعيه رهن إشارة البث التلفزيوني. عدت لقراءة الرواية باستمتاع عندما وجدتها تستدعي تساؤلات قديمة تتجدد بتجدد الظرف الاجتماعي واللحظة التاريخية الملازمة له. لكني عدت أقول بتفاؤلي المعهود: رغم أن اللحظة الراهنة «بطاطس»، فإنها لحظة منتشية بجرأة من لم تنجح الآلة بعد في هرسهم.
المشكلة التي تواجه «السيد هومو» في رواية صبري موسى هي مشكلة مثقف نهاية السبعينيات: حرية الفكر والاختيار في مجتمع تمت برمجته بالكامل لخدمة «النظام» (بلغة الفترة)، ظاهره ديمقراطي وباطنه توتاليتاري مستبد. السيد هومو يقرر أن يخرج عن المسار وأن يستكشف العالم القديم، عالم ما قبل النظام، وتنتهي الرواية بخروجه من «عصر العسل» الذي صوره له النظام على أنه أفضل عصور البشرية، ثم عودته الخائبة إليه بعد أن أخافته الحياة البدائية خارجه. يبقى هاجس الرواية الأول في كيفية المصالحة بين النظام والحرية من خلال شخصية رجل السبانخ، العامل والمثقف المتمرد، المتردد.

يشبه تمرد البطل هنا تمرد الأبطال في أفلام هامة من نوعية الخيال العلمي مثل فيلم فرانسوا تروفو «فهرنهايت 425». يناقش تروفو نوع وقيمة الثقافة السائدة، والبطل في فيلمه يقاوم النظام من أجل حق القراءة، ويصر على اقتناء الكتب رغم منعها من التداولواعتبار القراءة جريمة يعاقب عليها بالحبس والحرق. وفي فيلم المخرج بيتر هنكة «ألعاب مضحكة» نرى من خلال عملية قتل غير مبررة يقوم بها شابان لأسرة بأكملها كيف يتم الترويج للعنف يوميًّا عبر شاشات التلفزيون حتى اعتاده الناس ولم يعد أحد يتساءل عن أسبابه وضرورة عرضه. ورغم أن الفيلم ليس من نوع الخيال العلمي فإنه يفرض على المتفرج «رؤية» العنف باعتبارها فرضا مستقبليًّا لا سبيل للإفلات من أسره. وهو نفس ما يراه ستانلي كوبريك في فيلم «البرتقالة الميكانيكية» حين يعتبر مشكلة «فرض الرؤية» شكلاً من أشكال القهر، حيث تتم السيطرة على البطل بتثبيت مآقيه وتعريضه قسرًا لمشاهد مصورة شديدة العنف تصيبه بحالة من الجنون.

بين حدود العنف الجماعي وعدم القدرة على التفكير الحر والعجز عن الفعل البناء تقع حقول كاملة من البطاطس، جذور متعفنة وقلوب مهترئة وبثور. المشكلة لا تكمن في الحقل ولا في الجذور، المشكلة في الزراع الذين تشغلهم حروبهم الصغيرة التافهة عن الانتباه إلى الحروب الكبيرة الأهم، ضد الجهل وضد سيطرة النخبة المتسلطة وضد خطاب التخلف الديني والحضاري الذي يروج له الأدعياء والدعاة، وضد الاستخفاف بعقول الناس واستنزاف طاقتهم الخلاقة في قضايا مزورة من نوعية مكافحة تدخين الشيشة (تحديدًا عند البنات!!!).
بين حدي العنف السياسي والجهل الفكري، يقع الجحيم الذي تصوره السلطات الثلاث على أنه الجنة. ولو فكر الناس لأدركوا أن ما هم فيه من جحيم ما هو إلا ثمرة تخاذلهم وجهلهم، وأن السلطة قد اختارت عبر العصور، أينما وجدت وكيفما استقرت، حماية هذه الثمرة وتغذيتها. هكذا تحدث فردريك نيتشة وميشيل فوكو وإدوارد سعيد وغيرهم في نقد السلطة، ولو أننا قرأنا وفهمنا لبدأنا في السعي لحل جذري يخرجنا من هذا الجحيم

تحية لروح صبري موسي، صاحب فساد الأمكنة والسيد من حقل السبانخ.

-----------------------------------------------------

حقل البطاطس (من كتاب للجنة سور، 2009)

مي التلمساني

بقلم : مي التلمساني

 

تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
19.1°C
توقعات الساعات القادمة
19.1°C
18.6°C
18.3°C
18.3°C
18.2°C
18.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
الذبح لمن استطاع سبيلا

بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...

مهام البناء على المتاح

من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...