من عبد الناصر إلى السيسي.. السُلطة بين التحالفات والصراعات الداخلية
لم تكن إدارة الحكم في مصر، منذ ثورة يوليو 1952، مجرد قرارات سياسية أو توجهات أيديولوجية؛ بل كثيرًا ما ارتبطت بأسلوب القيادة في ضبط توازنات القوة داخل النظام نفسه. وعلى مدار العقود، تنوّعت هذه الأساليب بين التحالفات الشخصية، وإثارة الصراعات الداخلية، والرقابة المحكمة على مراكز النفوذ.
اتسم حكم جمال عبد الناصر بتحالف شخصي قوي مع المشير عبد الحكيم عامر، وهو تحالف كان سببًا من أسباب كثيرة أدت إلى نكسة يونيو 1967، ليكون درسًا قرأه السادات جيدًا، لكنه استخدمه بأسلوب مختلف، قائم على ما يمكن وصفه بـ"التفجير الذاتي المنظَّم" داخل النظام، وهو ما ارتد عليه في النهاية، عندما تم اغتياله في أكتوبر 1981.
قدّم الرئيس الراحل أنور السادات نموذجًا لافتًا في إدارة التناقضات داخل السلطة، إذ لم يكن يسعى إلى توافق كامل بين رجاله، بل حرص على خلق توازنات متضادة تُضعف إمكانية التمرد أو التكتل ضده. فإذا اقترب وزير الحربية من المعسكر السوفيتي، جاء برئيس أركان يميل إلى الغرب. استعان بشخصيات مثيرة للجدل مثل صفوت الشريف، وأفرج عن معارضين سابقين مثل عناصر من جماعة الإخوان المسلمين، والصحفي مصطفى أمين – رغم اتهامات التخابر –؛ليستخدمهم في مواجهة الناصريين والماركسيين داخل الجامعات والمجتمع.
حتى في لحظات مفصلية مثل الاستعداد لحرب أكتوبر، استدعى السادات اللواء أحمد إسماعيل من التقاعد، وعيّنه وزيرًا للدفاع، رغم مرضه وخلافه مع الفريق سعد الشاذلي، الذي كان يشغل وقتها منصب رئيس الأركان، وجمعهما معًا في القيادة. لم يكن الهدف تحقيق تماسك عسكري، بقدر ما كان ضمانًا لعدم بروز قائد يملك قرارًا منفردًا. وعندما وعد السادات قائد الحرس الجمهوري الليثي ناصف، بالإفراج عن المعتقلين (مراكز القوى) بعد أحداث مايو 1971، تراجع عن وعوده؛ ما دفع ناصف إلى الاستقالة.
بين السادات والسيسي، جاء حكم محمد حسني مبارك ليقدّم نموذجًا أكثر هدوءًا في ظاهره، لكنه لم يخلُ من هندسة دقيقة لمعادلات الولاء والتنافس داخل النظام. اعتمد مبارك على شبكة واسعة من مراكز النفوذ؛ أبرزها: جهاز أمن الدولة، والحزب الوطني، وبعض أجنحة رجال الأعمال، لضمان سيطرته على مفاصل الدولة. لم يكن ميّالًا إلى قرارات حادة أو تغييرات مفاجئة، بل فضّل إدارة التوازنات بصمت؛ وهو ما سمح ببقاء نظامه طويلًا، لكنه أدى في الوقت نفسه إلى تراكم الاحتقانات.
أبقى على رموز قوية مثل: صفوت الشريف وحبيب العادلي، مع مراقبة دقيقة لأي صعود محتمل داخل المؤسسة العسكرية. ومع صعود نجله جمال داخل الحزب الوطني، ظهر انقسام مكتوم بين "الحرس القديم" و"الحرس الجديد"، لم يعالجه مبارك، بل استخدمه كأداة لضبط ميزان القوة. لكن هذا النهج، الذي قام على إدارة الجمود بدلًا من تغييره، انتهى بثورة شعبية في يناير 2011، أطاحت بالنظام بعد ثلاثين عامًا من الحكم.
أما الرئيس عبد الفتاح السيسي، فيتبع نمطًا ثالثًا يعتمد على منظومة رقابية صارمة، وتوزيع دقيق للنفوذ، دون تحالفات ظاهرة أو صراعات داخلية معلنة. يسعى لضبط إيقاع الدولة من خلال مؤسسات يضمن ولاءها، بما يمنع نشوء قوى موازية داخل الحكم. لكنه يواجه واقعًا مغايرًا، أزمة اقتصادية حادّة، تصدّعًا في البنية الاجتماعية، وذاكرة وطنية تختزن الكثير من الأسئلة بشأن الحكم والدولة والديمقراطية.
هل يكفي هذا النموذج الرقابي للحفاظ على استقرار الدولة؟
أم أن تجاهل الاحتقان الشعبي، كما حدث مع من سبقوه، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج دائرة السقوط ذاتها؟
اللهم احفظ مصر وشعبها وجيشها.
-------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
وسط البلد الباهر!
وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري