الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 18.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
منحوس في مصلحة حكومية!

منحوس في مصلحة حكومية!

هذا النهار... كنت في مصلحة حكومية، أنهي بعض الأوراق، ولأنني لا أفلح أبدًا في إنهاء الأوراق بطريقة سلسلة، فقد بات لديّ يقين أنني رجل منحوس؛ إذ لا يعقل أبدًا أن كل هذه الجيوش من الموظفين لا عمل لها سوى تعطيل أوراقي أنا تحديدًا في كل مصلحة أذهب إليها...!

دخلت المبنى الرمادي ( هكذا رأيته رغم لونه الأصفر الكالح) مستعينًا بالله وبروح من يمشي واثق الخطوة ملكًا، لا يشغل نفسه بحرّ ولا قرّ ولا بالكهرباء التي يمكن أن تؤجل كل شيء إلى الغد على نحو ما فعلت بالأمس، دخلت إلى مكتب موظفة خمسينية ممتلئة، ألقيتُ عليها تحية الصباح، وأشرتُ إلى نعيم المروحة التي تلطف الهواء الرطب في هذا الدور الأرضي، ابتسمتْ ابتسامة لا معنى لها، ثم قالت: 

قدمها إلى الأستاذة فردوس بالغرفة المجاورة...!

اسم "فردوس" في حد ذاته مريح، وأنا أتفاءل بمعاني الأسماء، طرقت باب المكتب رغم أنه مفتوح، وضعت الورقة أمام السيدة فردوس، نظرتْ، ثم أعادت النظر، وأنا أنتظر ابتسامة تاريخية مؤجلة، وبعدها تؤشر السيدة فردوس على الورقة ثم أصعد إلى هناااك .. إلى الطابق الأعلى حيث يقبع ختم النسر في درج أحدهم وينتظر أن يحط بفرح على ورقتي التي أوشكت على الذوبان من كثرة الأيدي المعروقة التي فردتها وطوتها على امتداد يومين..!

ابتسمت السيدة فردوس ثم قالت: هناك ورقة يجب أن تسبق هذه الورقة، عليك أن تأتي بها من مكتب الأستاذة همّت. وبصبر مصريّ تاريخي قلت: لا بأس، أين مكتب العزيزة همت؟ قالت بجواري..!! وأين هي؟ قالت: في أجازة ..! ومن يحل محلها؟ قالت: لا أحد ..!

  سوف تنتهي أجازتها يوم الأحد، يمكنك أن تأتي يوم الاثنين وسوف تنتهي مشكلتك ..!!

خرجت بعد سجال إداري حول الحضور والغياب، ومن يخلف مَنْ إذا غاب هذا الموظف أو ذاك.. جدال فارغ أعلم أنه لن ينتهي إلى شيء... !!

فيما يبدو أنني صعبت على عامل البوفية، وكنت قد أكرمته ببقشيش في اليوم الفائت، فعزم عليّ بفنجان قهوة (عمولة) محترم، فشكرته وجلست أحتسي قهوته ببطء، ومعها سيجارة أجنبية، لم أعد أحفظ أنواع السجائر الأجنبية لكثرتها، بعد هوجة السجائر الأخيرة..!

وأنا أحتسي القهوة السوداء بلا سكر سمعت صوت السيدة صباح تغني بمرح في غرفة تلي مكتب الأستاذة فردوس، وصباح اسم جميل ورسم أجمل، صباح امرأة إغريقية الجسد والروح أيضًا، أناقة صباح من حب الحياة وتقديرها، وحبّ الحياة - كما تعلم - فن، لا نصيب لنا فيه...!

 كانت تغني بدلع إغريقي أعرفه جيدًا:

 عاشقة وغلبانة والنبي، عاشقة ومسكينة والنبي ...! 

تذكرت المنشد محمد العجوز وهو يقف في شادر شعبي بزيه الصعيدي الفخم ينشد هذه الغنوة العجيبة، وينقلها من الحالة الإيروسية الناعمة التي أمتعتنا بها السيدة صباح إلى حالة العشق الإلهي في تساميه وعلوه وكيف تفاعل معه جمهور المديح الديني، فرقصوا وتمايلوا وهاجوا وماجوا وهم يناجون نورًا يسري في فضاء الشادر الفقير المتقشف..!

لا تستغرب المسافة بين ذكورية العجوز والإنشاد الديني وأنوثة صباح وإيروسية الشكوى من المحبوب... (يمكن أن نتحدث عن ذلك في منشور لاحق..!)

فكّرتُ في سؤال الموظف الذي يسمع هذه الأغنية في هذا المكان الرطب قليل التهوية، ولم لا؟ فأنا لن أخسر شيئًا.. أخذتُ أمني نفسي  وأنا أسترجع منشورات سابقة كنت قد دونتها على "فيس بوك" حول العلاقة بين نوع الأغاني والسلوك العام، فمثلا أغاني المهرجانات تخلق شخصًا فوضويًّا لا يفكر في شيء له قيمة، وليست لديه فرصة ليسأل عن معنى شاعريّ مسّ شغاف قلبه، بعكس رجل يسمع الآن: 

"عيني يا قلبي علينا، أنا وانت مساكين.. مبقاش فاضل لينا غير دمعك يا عين..!!."

لا يستوي الرجلان مثلا .. !!

انتظرتُ انتهاء الغنوة، ثم استأذنت في الدخول، كان الرجل يجلس على مكتب في غرفة منظمة مرتبة، سلمت عليه، فرد التحية بأحسن منها، وأشار عليّ بالجلوس، فجلست شاكرًا... وعرضت عليه مشكلتي من أولها إلى آخرها، وهو ينصت باهتمام نادر.. وبعدها قال بهدوء: يجب أن تنتظر الأستاذة همت، فهي وحدها المسؤولة عن هذا الملف، ولا يوجد بديل لها بعد أن خرج كثير من الموظفين على المعاش..!

ابتسمتُ ابتسامة رجل يتصور أنه "منحوس" في كل ما يتصل بالحكومة وأن أحدهم - بلا شك- قد صنع لي عملا على ذيل سمكة صغيرة تسبح في المحيط الهادي.. شكرت الموظف ثم خرجت، وعدت إلى بيتي، غيرت ملابسي، واسترحت قليلا، وبعدها اتصلت بصديق أقوله له:

 عندي نكتة حلوة، تحب تسمع..!
----------------------------------
بقلم: د. محمد عبدالباسط عيد
(نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك)

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:18
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.9°C
توقعات الساعات القادمة
18.9°C
20.4°C
22.9°C
25.4°C
27.4°C
29.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...