ملك الصحافة الصفراء
إذا أردنا أن نبحث عن من أدخل الصحافة المصرية إلى منطقة المستنقع الأخلاقي، فلن نحتاج كثيرًا قبل أن نصطدم باسم واحد: عادل حمودة. الرجل الذي لم يكتفِ بأن يثير الجدل، بل حوّل الجدل نفسه إلى سلعة جاهزة، يُعاد تدويرها بعناوين صادمة وحكايات تُصاغ كما تُصاغ الإعلانات التجارية. لم يكن مشروعه الصحفي مشروعًا للتنوير أو للرقابة أو لحماية المجتمع، بل مشروعًا للاستعراض الإعلامي الخشن، حيث تتحوّل الإثارة إلى منهج كامل، ويصبح “الكشف” مجرد غطاء لصناعة الضجيج.
عادل حمودة - في تقديري - لم يتعامل مع الصحافة كرسالة، بل كـ"حلبة" تضمن له البقاء في دائرة الضوء، حتى لو احترقت المهنة حوله. فهو لم يزاحم أحدًا على المهنية، بل زاحمهم على مستوى آخر تمامًا: مستوى من يفجر أكبر قدر من الصخب بأقل قدر من المضمون. ومع كل منبر تولّى قيادته، كان يثبت أن الإثارة عنده ليست أسلوبًا، بل عقيدة راسخة، وأن العنوان الجذاب أو حتى الفجّ عنده أهم من الحقيقة ذاتها.
ولذلك أصبح لقب “ملك الصحافة الصفراء” ليس توصيفًا عابرًا، بل عنوانًا دقيقًا لتجربة قائمة بالكامل على تغليف المعلومة بطبقة سميكة من المبالغة، وعلى تحويل الشخصيات العامة إلى مادة تسويقية، وتحويل التابوهات إلى أدوات جذب، وتحويل القارئ إلى هدفٍ لا يقدَّر إلا بعدد النسخ المباعة. لا شيء عند حمودة يُترك للصدفة؛ الإثارة قرار، والضجيج سياسة، وكسر التقاليد خطّة مدروسة.
المشكلة لم تكن أنه اقترب من مناطق حساسة، بل كيف اقترب منها. فبدل أن يقتحم الملفات الشائكة بمنهج استقصائي رصين، دخلها بأسلوب أشبه بفتح باب مغارة، لا لمعرفة ما بداخلها، بل لجذب الجمهور إلى ما يتطاير منها من صدمة ومفاجأة. السياسة تتحوّل إلى مشهد، والدين إلى مادة استفزاز، والجنس إلى أداة تصدّر الصفحة الأولى. هكذا صنع حمودة مجده، وهكذا صنع فوضى إعلامية ترعرعت على كتفيه.
والأدهى من ذلك أن حمودة لم يكتفِ بأن يكون صحفيًا، بل أراد دائمًا أن يكون بطلاً داخل القصة. هو جزء من الحدث، ومُحرّك له، ومُبرّر لوجوده. إنها صحافة “الأنا”، حيث يتحوّل الصحفي إلى نجم، وتتحوّل الصحيفة إلى منصة لعرض القوة، لا منصة لعرض الحقيقة. وهكذا انتقلت الصحافة من دورها الطبيعي إلى مسرح تُعاد فيه كتابة القضايا بصورة تخدم إيقاع الإثارة لا جوهرها.
قد يقول البعض إن حمودة مجرّد قارئ عبقري للجمهور، لكنه في الحقيقة استند إلى شيء أبسط: غرائز بشرية يسهل اللعب عليها، ومناخ ثقافي مُتعَب يبحث عن أي شيء يهزّه. وبالنتيجة، حصل على قراء كثيرين، لكنه لم يترك وراءه مدرسة مهنية بقدر ما ترك ميراثًا من التساؤلات حول ما إذا كانت الصحافة قد ربحت شيئًا من تلك التجربة، أم أنها دفعت ثمنًا باهظًا لم ينتهِ بعد.
إن عادل حمودة، مهما اختلفنا حوله، يبقى تجسيدًا لمرحلة كاملة انزلقت فيها الصحافة إلى لعبة خطرة: لعبة الإثارة. لكنه ليس ضحية الظرف، بل واحدًا من أبرز مهندسي ذلك الانزلاق. وبذلك يستحق لقبه عن جدارة:
ملك الصحافة الصفراء.. بلا منازع.
-----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس
أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري