ملامح | ثالث النكبات وأنظمة الكهف.. وقائد الدرك يحرس التهويد
رئيس السلطة الفلسطينية، أو ما يمكن وصفه بـ "شرطي الاحتلال" أو "قائد الدرك الإسرائيلي"، استيقظ أخيراً من غفلته وتذكر أن هناك وطناً يُغتصب، ويُهتك عرضه، ويُسرق، ويُسلب على مقربة من محل إقامته. قائد الدرك هذا، الذي لم يطلق رصاصة واحدة دفاعاً عن الأرض التي تحولت إلى بؤر استيطانية ومستوطنات، ولا لحماية شعب يُهجَّر من بلداته ويُدفع إلى مساحة ضيقة إيذاناً بطرده خارج الضفة الغربية، أطلق مؤخراً تصريحاً استهلاكياً معتاداً ومحفوظاً في درج مكتبه المكيف؛ زعم فيه أنه أرسل رسائل لعدة دول ومنظمات دولية يطالبها بالتدخل العاجل لوقف العدوان الإسرائيلي، مردداً أن "الأراضي المحتلة تشهد تصعيداً خطيراً". وكأن من راسلهم لا يعلمون شيئاً وينتظرون منه التنبيه!
إن ما تشهده القرى الفلسطينية اليوم على يد "فتيان التلال" أو "شبيبة التلال" بحراسة وتواطؤ جيش الاحتلال، يعيد إلى الذاكرة الممارسات والسيناريوهات التي سبقت عام 1948، إبان فترة الانتداب البريطاني.
فالأمس كاليوم، تشهد الضفة الغربية توسعاً استيطانياً مكثفاً وسريعاً، ونشاطاً غير مسبوق في إقامة البؤر الاستيطانية وتحويلها إلى كتل بشرية وجغرافية مترابطة، في استراتيجية صهيونية واضحة لتثبيت الحقائق على الأرض قبل إعلان الضم والسيطرة. كما تعيد الاعتداءات المنظمة لمجموعات المستوطنين إلى الأذهان دور الميليشيات المسلحة التاريخية (مثل الهاجاناه (Haganah) والبالماخ (Palmach) والإرجون (Irgun وليحي / عصابة شتيرن (Lehi) في بث الرعب ودفع السكان المحليين للتهجير القسري.
ومثلما جرى تقسيم أراضي فلسطين تاريخياً وعزل التجمعات العربية عن بعضها، يتم اليوم عزل مدن وقرى الضفة الغربية بالحواجز العسكرية، والبوابات، والجدار الفاصل، إلى جانب السيطرة المطلقة على المنطقة (ج) التي تمثل 61% من مساحة الضفة. هذه المنطقة التي تضم الأراضي الزراعية الأخصب والموارد الطبيعية، كان مفترضاً – وفقاً لاتفاقية أوسلو الثانية عام 1995 – أن ينتهي احتلالها بعد 5 سنوات، إلا أنها لا تزال ترزح تحت السيطرة الإسرائيلية المطلقة، وباتت موطناً لأغلبية المستوطنات والبؤر الاستيطانية، حيث يسكنها نحو 380 ألف مستوطن، مقابل نحو 300 ألف فلسطيني.
وأما "فتية التلال"، فهم شبان تتراوح أعمارهم بين 16 و26 عاماً، من الجنسين، ممن تسربوا من المدارس، ويسكنون رؤوس تلال الضفة، ويعيشون حياة خشنة معزولة. وهم الامتداد العصري لعصابات "الإرجون" و"الهاجاناه"، تستخدمهم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لفرض التهجير القسري الصامت في القرى والتجمعات البدوية. يعتمدون على رعي الأغنام كواجهة للسيطرة على الأراضي وحرمان أصحابها منها، مؤمنين بإقامة "إسرائيل الكبرى" عبر طرد جميع الفلسطينيين. وهم ينشئون الخيام والبيوت المتنقلة التي تتحول تدريجياً إلى بؤر استيطانية ثم إلى مستوطنات مزودة بالبنية التحتية الكاملة.
تعود نشأة هذه الجماعات لعام 1998 بدعم من وزير الأمن الأسبق أرييل شارون، وهي ترتبط اليوم بروابط وثيقة بأحزاب اليمين المتطرف، وأعضاء بالكنيست، ووزراء في الحكومة الحالية مثل وزير الأمن بن غفير ووزير المالية سموتريتش.
وربما لا يعلم الكثيرون أن جيش الاحتلال أسس عام 2020 وحدة خاصة أطلق عليها "كتائب الصحراء" لتمشيط براري الضفة وغور الأردن، وضُمّ إليها عناصر من "شبيبة التلال" للاستفادة من خبراتهم، فتحولت الوحدة إلى أداة لقمع وعنف منظم ضد الفلسطينيين.
ووفقاً لتقارير المنظمات الحقوقية الإسرائيلية (مثل منظمة "بتسيلم")، أنشأ هؤلاء منذ نشاطهم عام 1998 وحتى أواخر 2020 نحو 170 بؤرة استيطانية، وساهموا في الاستيلاء على عشرات آلاف الدونمات التي تعود ملكيتها لفلسطينيين. وبعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، أقاموا 10 بؤر جديدة، ونفذوا أكثر من 4 آلاف اعتداء بين عامي 2017 و2022، ومتورطين في أبشع الجرائم كإحراق عائلة دوابشة في قرية دوما عام 2015، وإحراق الطفل محمد أبو خضير في القدس، وإحراق المنازل والزرع.
إن "فتية التلال" يتلقون الدعم العلني والتمويل والحماية القانونية والعسكرية من الحكومات الإسرائيلية والمجالس الاستيطانية؛ تغيرت الأسماء واليافطات لتناسب السياق الراهن، ولم يتغير الجوهر. وفي المقابل، تواصل الأنظمة العربية نومها كأهل الكهف، ولم يعد محمود عباس مجرد اسم، بل أصبح رمزاً ومجازاً لواقع سياسي تذروه الرياح، حتى وصل إلى لبنان والعراق وسوريا.
هكذا يكرر فتيان التلال ما فعله أجدادهم قبل عقود، مستهدفين القرى الصغيرة مدججين بالسلاح وتحت حماية الجيش، للاستيلاء على البيوت والمزارع والمواشي، حتى السيارات لم تسلم من إجرامهم... كل ذلك يحدث تحت سمع وبصر قائد الدرك الإسرائيلي، الذي ينتظر المدد من المجتمع الدولي المتواطئ مع الاحتلال، وأهل الكهف الحاضرون ببيانات الإدانة والشجب والتنديد، وتحميل المجتمع الدولي مسؤولية حماية الشعب الفلسطيني (!!).
------------------------------
بقلم: محمد الضبع
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية
صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري