الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 23.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
ملامح | الحرب الإنشطارية على إيران تهدد بقاء الشرق الأوسط

ملامح | الحرب الإنشطارية على إيران تهدد بقاء الشرق الأوسط

الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران هي حرب إنشطارية متعددة الرؤوس، ليست مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل هي ساحة لتصفية حسابات دولية كبرى، الضحية فيها هي منطقة الشرق الأوسط ومقدراتها وشعوبها في أرزاقهم وحياتهم، وضياع الحق الأصيل للمنطقة وهي القضية الفلسطينية.

أولى الرؤوس الإنشطارية صراع النفوذ بين أوروبا وأمريكا على المنطقة، وتصفية الحسابات مع روسيا..

أوروبا بقيادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، تسعى لإيجاد قدم لها في المنطقة، وعدم ترك ساحة الشرق الأوسط، خاصة الخليج لأمريكا، ولكن أوروبا لا تريد توريط نفسها في حرب لا ناقة لها فيها، وهي ترى أنها حرب أمريكية – إسرائيلية لإرضاء الغرور الترامبي، ورغبة واشنطن في احتلال مقدرات المنطقة، وفقا لخطة لترامب بوضع يد بلاده على نفط العالم، واحتلال الممرات المائية للسيطرة على سلاسل الإمداد.

 فرض الحضور الأوروبي عبر فرنسا

تسعى باريس لفرض حضور أوروبي ودولي مستقل عن أمريكا، يهدف للتهدئة وضمان تدفق النفط بعيداً عن التصعيد العسكري.. كما تقود فرنسا تحركات لإنشاء تحالف دولي لإعادة فتح مضيق هرمز، وفي ذات الاتجاه، عقد رئيس أركان الجيش الفرنسي (6 مارس 2026) اجتماعا عبر "الفيديو" مع ممثلي 35 دولة من مختلف القارات، لاستطلاع آرائهم ومقترحاتهم لتنظيم المهمة التي تركز على حماية السفن التجارية وناقلات النفط، وتطهير الألغام، دون المشاركة في الهجوم على إيران. ولكن فرنسا تشترط لتنفيذ المهمة: انخفاض حدة العمليات القتالية، التنسيق مع شركات الشحن والتأمين الدولية، الحصول على موافقة من الأمم المتحدة، أو موافقة الأطراف الإقليمية لعدم اعتبار المهمة عملا عدوانيا، وهناك تنسيق مع الإمارات والبحرين والسعودية بذلك الخصوص.

أوروبا أيضاً تسعى لتصفية حساباتها مع روسيا، وإلحاق الهزيمة بها، ردا على الحرب الأوكرانية، ورفض موسكو بيع النفط والغاز لدول أوروبا، عقاباً لها على دعمها لأوكرانيا وإطالة أمد الحرب برفضها لكل أطروحات وقفها.

وفي سياق متصل دخلت أوكرانيا على خط الحرب في الشرق الأوسط، انتقاماً من إيران لمساندتها روسيا بمدها بالصواريخ الباليستية والمسيرات التي احدثت الفارق لصالح روسيا وتستخدمها بكثافة، فقد قامت كييف بتوقيع اتفاقات أمنية مع قطر والسعودية والإمارات للإستفادة من الخبرات الأوكرانية في مجال التصدي للمسيرات، كما دفعت بـ 220 خبير أوكراني للمنطقة.

أوروبا بقيادة فرنسا تشجع التقارب الخليجي - الأوكراني، لتخفيف العبء المالي على الميزانيات الأوروبية المنهكة بفضل الحرب الأوكرانية - الروسية، بتمويل الخليج للصناعات الدفاعية الأوكرانية وبناء منظومة أمنية تعتمد على تكنولوجيا متنوعة بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.. وإرسال رسالة لروسيا وإيران مفادها "ننقل خبراتنا لحدودكم، بعد حربكم ضدنا".

ولا يفوتنا أن أوروبا تتمنى هزيمة أمريكا، لإدراكها أن واشنطن تسعى لتقسيمها مع روسيا، كما قالت قيادات بالاتحاد الأوروبي.

وخلاصة الموقف الأوروبي كما جاءت بتصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، "الحرب في منطقة الشرق الأوسط ليست حربنا ولن ننجر إلى هذا النزاع"، "سنبحث جميع الإجراءات التي تضمن حرية الملاحة وسلامة السفن في منطقة الشرق الأوسط وتجعل مضيق هرمز آمنا"، "نحن بحاجة لتشكيل جبهة موحدة لدمج الأنشطة السياسية والجهد العسكري لتكون جاهزة للتحرك فور وقف العدوان.. ولقد تواصلنا مع 35 دولة لعقد اجتماع من أجل فتح مضيق هرمز".

حرب النظام العالمي الجديد

الرأس الإنشطارية الثانية: هي الصراع على النظام العالمي الجديد بين روسيا والصين من جهة، وأمريكا من جهة أخرى..

الصين تدرك جيداً المحاولات الأمريكية للسيطرة على النفط والغاز والمعادن في كل مناطق العالم، والتحكم في خطوط الملاحة العالمية، للحد من النفوذ الاقتصادي الصيني، وإخضاعه للإدارة الأمريكية، وإفشال مشروع خط الحرير الصيني الموازي للمشروع الأمريكي "طريق التنمية"، وهما ليسا مجرد طرق تجارة، بل أوردة حياة لمن يكسب هذه الحرب، كما تسعى واشنطن للضغط على الحدود الروسية بالاقتراب منها عن طريق إيران مع ترك الحد الأوكراني فخاً تقع فيه أوروبا، وترغب أمريكا في التحكم بالمنطقة لحصار الصيني اقتصاديا، خاصةً إذا علمنا أن 54% من موارد الطاقة والمعادن الصينية تعتمد على دول الشرق الأوسط.

وفي المقابل تسعى بكين وموسكو لإضعاف الولايات المتحدة، وإحراجها عالمياً لتخرج من الحرب دون انتصار أو هزيمة لكسر هيبتها وهيمنتها، لفرض نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب تكون روسيا والصين وإيران جزءً أساسياً منه، إلى جانب أمريكا.

كما تخوض موسكو وبكين وإيران "حرب العملات" لكسر هيمنة الدولار من خلال تسعير الطاقة، ورسوم المرور بمضيق هرمز بعملات بديلة، هذا الرأس الإنشطاري هو ما يجعل أمريكا تستميت في السيطرة على الممرات المائية لإبقاء "البترودولار" هو القائد.

ولايفوتنا هنا، أن فرنسا تلعب دور "الوسيط المسلح" (حماية الملاحة دون هجوم)، مما جعل بعض الدول الخليجية تثق فيها أكثر من واشنطن حالياً. كما أن تلك الحرب هي "مختبر عالمي" لأحدث تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي والمسيرات الانتحارية، مما يسحب البساط من تحت تفوق الأساطيل التقليدية الضخمة، وهذا ما يفسر قلق الصين وأمريكا معاً.

الصراع الديني الوجودي

أما الرأس الإنشطارية الثالثة فهي الصراع الديني الوجودي بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران والمقاومة وغالبية شعوب منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى.

ترامب ونتنياهو، يخوضان تلك المعركة بعقيدة الصهيونية المسيحية، التي ترى في استقرار إسرائيل وتفوقها نبوءة لا بد من تحقيقها، بتمكينها من تحقيق الرواية التوراتية التي تنص على أن أرض ما بين النهرين (من الفرات لنهر النيل) وأصفهان حيث سيظهر الشياح (أي المسيح الدجال) هى وعد الله للنبي إبراهيم..

وأيضاً تخدم الحرب تيار "أمريكا أولاً"، والذي يقوده ترامب ونائبه فانس، وهو تيار قومي نفعي، ينظر للعالم كصفقة تجارية، ولا يمانعون التدخل في الشأن العالمي بشرط "الدفع مقابل الحماية"، ولا يميلون للحروب الطويلة، ويميلون للضربات الجراحية الكبرى مثل اغتيال القيادات لاستعادة الهيبة، ويريدون أمريكا مهيمنة اقتصادياً، لكن دون تحمل فواتير دماء الجنود الأمريكيين في حروب الآخرين، أما الشرق الأوسط فيجب إدارته بأقل التكاليف عبر وكلاء إقليميين ( إسرائيل والدول الحليفة) وإعادة صياغة النظام العالمي ليكون في خدمة الدولار والمنتج الأمريكي، لذلك يرى التيار أن العدو الوحيد الذي يستحق إنفاق الجهد هو الصين لأنها تهدد الاقتصاد الأمريكي.

أما إيران والمقاومة فهم يخوضون معركة دفاعاً عن المنطقة التي تريد الصهيونية الأمريكية، إخضاعها لإقامة الحلم التوراتي "إسرائيل الكبرى باحتلال كامل فلسطين، وجنوبي سوريا ولبنان، تمهيداً لإقامة إسرائيل العظمى والذي يتضمن تقسيم إيران لخمس دول، مع السيطرة على أصفهان، وغرب العراق وشرق مصر وأجزاء من تركيا".

الصهيونية الأمريكية ترغب في تحطيم إيران تمهيداً للدخول على باكستان ثم تركيا وأخيراً مصر، لذلك فطهران والمقاومة في لبنان والعراق واليمن، تخوض معركة وجود لدولها ودول المنطقة.. إيران والمقاومة لا تخوض حرب على النفوذ، بل هي "معركة المستضعفين ضد المستكبرين"، وهي عقيدة تمنح المقاتل قدرة على الصمود والاستماتة، وتجعل من المقاومة أسلوب حياة لا مجرد تكتيك عسكري.

 والضحية

كل يسعى لمصالحه على حساب منطقة الشرق الأوسط، أوروبا تسعى لحماية مصالحها (الملاحة والنفط) دون أن تكون وقوداً للمشروع الأمريكي، وضمان الحصول على حصة من المال الخليجي، فإذا كانت أمريكا تطبق مبدأ "المال مقابل الحماية" فأوروبا تطرح "المال مقابل الأمن".. إن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد سباق تسلح، بل هو انفجار لمجموعة من الأزمات المؤجلة.. فبين مطرقة المصالح الدولية (أمريكا، روسيا، الصين)، وسندان الطموحات الأوروبية، وتصادم الهويات الدينية والوجودية، تظل المنطقة العربية هي أرض المعركة، التي تتفتت فيها الرؤوس الإنشطارية، مما يجعل السؤال ماذا سيبقى من الشرق الأوسط بعد خمود النيران؟، وليس "من سينتصر؟"

الضحية هي القضية الفلسطينية، التي غاب عنها الزخم السياسي والإعلامي بسبب الحرب على إيران، فيما تواصل إسرائيل سياسة الإبادة والتهجير القسري في قطاع غزة والضفة الغربية، وتحرم الشعب الفلسطيني من الصلاة بالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، بل ويصدق الكنيست على قانو يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين البالغ عددهم أكثر من 10 آلاف فلسطيني.
--------------------------------------
بقلم: محمد الضبع


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة07:19
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
23.8°C
توقعات الساعات القادمة
23.8°C
21.5°C
20.6°C
19.8°C
19.2°C
18.8°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس

أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,108ج.م
عيار 21
6,220ج.م
عيار 18
5,331ج.م
الجنيه الذهب
49,760ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...