الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 26.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
معرض الكتاب.. قراءة في مشهد غير عادي

معرض الكتاب.. قراءة في مشهد غير عادي

لو حاولنا توصيف ما جرى في التجمع الخامس يوم الجمعة 30 يناير 2026 بلغة الأرقام وحدها، سنفشل. لأن ما حدث يتجاوز كونه «ازدحامًا» أو «إقبالًا جماهيريًا» على فعالية ثقافية، حيث سجّلت بوابات معرض القاهرة الدولي للكتاب دخول أكثر من 807 آلاف زائر في يوم واحد. رقم كفيل بإرباك أي باحث اجتماعي، ليس لضخامته فقط، بل لما كشفه من حقائق صادمة عن المجتمع المصري، على عكس ما يُروّج له عادة.

اللافت هنا ليس الكم، بل السلوك الجمعي.

علم الاجتماع يخبرنا أن التجمعات البشرية الضخمة غالبًا ما تُنتج توترًا، احتكاكات، ومشكلات أمنية متفاوتة. لكن ما شهده المعرض كان استثناءً نادرًا: تنوع اجتماعي وجغرافي كامل، من مختلف الطبقات والبيئات، اجتمع دون أن يتحول المشهد إلى فوضى.

لا اشتباكات تُذكر، ولا مظاهر عنف، ولا تجاوزات صارخة.

كأن المكان نفسه فرض إيقاعًا مختلفًا على رواده. ويمكن تفسير ذلك بما يمكن تسميته «قدسية الفضاء الثقافي». فالمصري، حين يشعر أنه داخل مساحة تحترم العقل والوعي، يستدعي تلقائيًا سلوكًا أكثر اتزانًا، دون حاجة إلى رقابة أو توجيه مباشر.

المعرض، الذي تأسس عام 1969، لم يعد مجرد مناسبة سنوية لبيع الكتب. بل تحول إلى ظاهرة جماهيرية ضخمة، تُصنّف بين الأكبر عالميًا من حيث عدد الزوار. ومع تجاوز عدد الحضور الإجمالي أربعة ملايين ونصف المليون، يصبح من الصعب الاستمرار في ترديد مقولة «شعب لا يقرأ» دون مراجعة جادة.

ربما لا يخرج الجميع محمّلين بالكتب. وربما يأتي البعض بدافع التنزه أو التقاط الصور. لكن مجرد اختيار هذا المكان كوجهة، وسط زحام الحياة وضغوطها، هو فعل ثقافي بحد ذاته. فالثقافة لا تُقاس فقط بعدد المجلدات المباعة، بل بالرغبة في الاقتراب من عالمها.

السبب الحقيقي وراء هذا الزخم أن المعرض لم يعد مساحة نخبوية مغلقة.

هو صورة مصغّرة للمجتمع: ناشرون، كتّاب، موسيقيون، باعة طعام، أطفال، أسر كاملة. مزيج يعيد إحياء فكرة «الخروجة المصرية» التي كادت تختفي، ويمنح الناس فرصة نادرة للانفصال المؤقت عن إيقاع المدينة القاسي.

وكان مشهد صلاة الجمعة، بآلاف المصلين مصطفّين في هدوء مهيب، لحظة فارقة. صورة تختصر المعنى: اجتماع بلا صخب، واختلاف بلا صدام.

الخلاصة أن ما حدث في معرض الكتاب ليس إنجازًا تنظيميًا فقط، بل كشف اجتماعي عميق.

هذا البلد، رغم كل ما يُقال، لا يزال يحتفظ بعلاقة خاصة مع المعرفة، علاقة قد تخفت أحيانًا لكنها لا تموت.

في مصر، قد يضيق الحال، لكن الشغف لا ينفذ.

ومن يختار أن يرى المشهد بعين القارئ، سيكتشف أن في هذه البلاد جمالًا صامتًا.. لكنه حاضر بقوة.
-------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة02:29
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
26.3°C
توقعات الساعات القادمة
26.3°C
25.5°C
24.8°C
24.1°C
23.4°C
22.7°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,006ج.م
عيار 21
6,130ج.م
عيار 18
5,254ج.م
الجنيه الذهب
49,040ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...