الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 25.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
مصر والتحالفات العسكرية (الأحلاف) تاريخياً | مدخل لفهم موقفها من اتفاقية مكة

مصر والتحالفات العسكرية (الأحلاف) تاريخياً | مدخل لفهم موقفها من اتفاقية مكة

انقسم العالم بعد الحرب العالمية الثانية إلى معسكرين ضمن سياق ما أطلق عليه "الحرب الباردة"، وهما المعسكر الغربى بقيادة "الولايات المتحدة الأمريكية " والمعسكر الشرقى بقيادة "الاتحاد السوفيتى"، وفى سياق تلك الحرب وفى ظل ذلك  الاستقطاب الثنائي ظهرت أحلاف عسكرية غربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية مثل: حلف شمال الأطلسي - الناتو الذى دشن عام 1949م ، وهو عبارة عن تحالف عسكري يضم دولاً أوروبية وأمريكية شمالية لتطويق الشيوعية والدفاع المشترك، وحلف جنوب شرق آسيا – سياتو1955 م الذى دشن لاحتواء النفوذ الشيوعي في آسيا، وحلف بغداد الذى دشن عام 1955م وضم عددا من دول من الشرق الأوسط (مثل العراق وتركيا وإيران وباكستان) ، كما ظهرت أحلاف مقابلة بقيادة الاتحاد السوفيتي لتوسيع نفوذه مثل حلف وارسو الذى تأسس عام 1955 م كرد فعل على انضمام ألمانيا الغربية لحلف الناتو وضم الجمهوريات التابعة للكتلة الشرقية، وهدف إلى الدفاع المشترك عن دول المعسكر الشرقي (الاتحاد السوفيتى).

وعليه؛ فإن الفترة من 1949م إلى 1955م كانت فترة تأسيس تلك الأحلاف وتبلور مهامها، وفيها أيضاً - خاصة فيما بعد عام 1952م - تبلورت السياسات المصرية التى أعقبت ثورة 23 يوليو 1952م والتى حددت موقفها من الدخول في التحالفات العسكرية بالرفض التام (كانت مصر واحدة من الدول الرئيسية المؤسسة لحركة عدم الانحياز مع الهند ويوغوسلافيا وغانا وإندونيسيا لتحقيق الاستقلال السياسي وحماية السلام العالمي بعيداً عن صراع المعسكرين المشار إليهما بعاليه)؛ إذ نظرت مصر إلى تلك الأحلاف العسكرية الغربية على أنها تهدف إلى جر المنطقة إلى صراعات الحرب الباردة بدلاً من خدمة قضايا التحرر العربي، كما اعتبرت القيادة المصرية الانضمام لهذه الأحلاف تفريطاً في السيادة الوطنية واستمراراً للسيطرة الأجنبية بطرق جديدة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أنها تصدت بقوة لمثل هذه المشاريع العسكرية الغربية خاصة في منطقة الشرق الأوسط، ودعت مصر الدول العربية إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية وعدم التبعية للقوى الكبرى أو الدخول في تحالفات أجنبية.

وعليه؛ عارضت مصر بقوة "حلف بغداد" عام 1955م بمنطقة الشرق الأوسط، وعدته شكلاً من أشكال الاستعمار الجديد وهيمنة الدول الغربية على المنطقة، وقاد الرئيس "جمال عبد الناصر" حملة سياسية وإعلامية واسعة لمحاصرته وإفشاله؛ فكانت إذاعة "صوت العرب" هى تلك الوسيلة الإعلامية التى استخدمت لحشد وشحن وتوعية الشعوب العربية ضد مخاطر الحلف وتوجيه النداءات، والتى بالفعل تجاوبت مع دعوة مصر ولم تنضم أى منها إلى الحلف بإستثناء العراق رغم الضغوط الأميركية والبريطانية، وسياسياً دخلت مصر في معركة علنية ضد رموز الحكم العراقي المؤيد للحلف مثل نوري السعيد والملك فيصل الثاني.

وقد أشعل الموقف المصرى من حلف بغداد غضب بريطانيا التى كانت بمثابة المهندس الأساسي للحلف، واعتبرت العراق حجر الزاوية لحماية نفوذها ومصالحها النفطية بعد خروج قواتها، كما اعتبرت تصدى الرئيس "جمال عبد الناصر" للحلف تهديداً مباشراً لهيمنتها في المنطقة، وسعت لمواجهة ذلك عن طريق دعم نوري السعيد في العراق، أما الولايات المتحدة، فقد فضلت عدم الانضمام رسمياً للحلف لتجنب استفزاز مصر وبعض دول المنطقة، وسعت للحفاظ على مرونتها في التعامل مع العالم العربي وتفادي الظهور بمظهر القوة الاستعمارية المباشرة التي تواجه التيار القومي المصري، مع إبقاء خيارات بديلة ومقبولة إقليمياً مفتوحة، كما أنها لم تتدخل عسكرياً لإجبار مصر على القبول بالحلف، بل راقبت الصراع الإقليمي بحذر محاولة الحد من التقارب المصري- السوفيتي الناجم عن تلك الاستقطابات.

وفى النهاية نجح الموقف المصري المدعوم برفض شعبي عربي عارم في منع أي دولة عربية أخرى من الالتحاق بالحلف باستثناء العراق، مما أدى إلى توتر شديد في العلاقات المصرية العراقية انتهى بانهيار الحلف عام 1958م؛ ذلك أن الضغط السياسي والشعبي الذي قادته مصر إلى جانب التغيرات الإقليمية قد أدى إلى إضعاف الحلف بصورة كبيرة، وانهار فعلياً بعد قيام ثورة 14 يوليو 1958م  في العراق وسقوط النظام الملكي ومقتل الملك فيصل الثاني ونوري السعيد، ليخرج العراق رسمياً منه لاحقاً.

وهكذا كان موقف مصر الرافض لتلك الأحلاف محركاً أساسياً لسياستها الخارجية هذا الشأن؛ إذا رفضت مصر كذلك مشروع الرئيس الأمريكى "أيزنهاور" عام 1957م الذي استهدف ملء الفراغ السياسي في المنطقة بنفس أهداف الأحلاف السابقة.

وعندما اتجهت مصر في الستينيات والسبعينيات نحو شراكة وتوافق عسكري استراتيجي مع الاتحاد السوفيتي للحصول على الدعم والتسليح، لم تدخل في تبعية أو حلف عسكري ملزم يفقدها قرارها المستقل، وظل الأمر كذلك حتى انتهت سياسة الأحلاف الكلاسيكية المرتبطة بالحرب الباردة بسقوط وتصفية "حلف وارسو" في يوليو 1991 م على إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، في حين استمر "حلف الناتو" في إعادة تعريف دوره، بينما شهدت السنوات الأخيرة عودة لظهور تحالفات إقليمية ودولية جديدة.

وهكذا ظلت القاهرة ترفض الانخراط في أي تحالفات عسكرية تعرض استقرارها أو تفقدها دورها المتوازن في الوساطات الدبلوماسية الإقليمية والدولية حتى وقتنا الحاضر، الذى تعتمد فيه السياسة الخارجية المصرية على تنويع الشراكات الاقتصادية والدفاعية الثنائية وفق استقلالية القرار ومنظومة المصالح الوطنية المشتركة.

لكن على المستوى العربى سعت القيادة المصرية مراراً إلى تأسيس أطر دفاعية عربية خالصة لحماية الأمن القومي العربي بعيداً عن الهيمنة الأجنبية، مثل الدعوة لتشكيل قوة عربية مشتركة، والتى جاءت من منطلق حرصها الدائم على المصلحة العربية والأمن القومي العربي طوال تاريخها وكان آخرها المبادرة أو الدعوة التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2015 بتشكيل وتأسيس جيش عربي موحد للحفاظ على وحدة الصف العربي ومجابهة أية أخطار خارجية بالمنع أو الردع وحماية الأمن القومي العربي من أية مخططات للسيطرة والتوسع في المنطقة، وهى تلك المبادرة التى لم يكتب لها النجاح.

ووصولاً إلى " اتفاق مكة "، وهو اتفاقية أمنية ودفاعية متعددة الأطراف أبرمت فى مكة المكرمة بين المملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، وجمهورية باكستان الإسلامية فى السابع من أغسطس 2026م الماضى، ولم تدخل مصرنا الحبيبة فى ذلك الاتفاق، على الرغم من كم الروابط والعلاقات القوية بينها وبين دول الاتفاق المشار إليها بعاليه في كافة المجالات (السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية ... وغيرها)، كما أنها عضو مع هذه الدول الثلاث في رباعية الوساطة الدبلوماسية بين أطراف الحرب الدائرة حاليا في منطقة الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة الأميركية.

لكن موقف مصر التاريخي الرافض للإنضمام لأية أحلاف عسكرية وفقا لرؤيتها الاستراتيجية وحسب مصالحها وبما يحقق أمنها القومي كما تقدم ظل كما هو؛ ذلك أنه إذا كانت تربطها علاقات وثيقة كما أسلفنا بدول الحلف الثلاثة، فإنها أيضا ترتبط بعلاقات وثيقة مع الدول الآخرى الواقعة فى دائرة النزاع مع الدول الثلاثة مثل الهند واليونان، كما أنه ليس في مصلحتها الدخول في حرب ضد ايران، وبالتالى فهى لا ترى الأمور بنفس الطريقة التى تراها بها الدول الموقعة على الاتفاق؛ فــ "باكستان" تنظر إلى الهند باعتبارها التحدي الاستراتيجي الرئيسي، بينما تركز "السعودية" على التهديدات المرتبطة بإيران وأمن الخليج العربى والبحر الأحمر، أما تركيا فتتعامل مع خريطة تهديدات أكثر اتساعاً، إلى جانب التزاماتها كعضو في حلف "الناتو"، وأما مصر فأولوياتها مختلفة مثل "الأمن في غزة وسيناء"، والحدود مع ليبيا، والحرب في السودان، والبحر الأحمر وباب المندب، وأمن قناة السويس، والملف المائي مع إثيوبيا، وكلها ملفات تقع في قلب الحسابات الأمنية المصرية، وبالتالي، فإن التوقيع على اتفاق دفاع جماعي قد يعني من الناحية النظرية بالنسبة لها، التزامها بالتعامل عسكرياً مع أزمات لا تقع بالضرورة ضمن دائرة تهديداتها المباشرة.

يضاف إلى ما سبق أن مصر قد بنت سياستها واستراتيجياتها الخارجية خلال السنوات الماضية على تنويع الشراكات بدل الارتباط بتحالف عسكري واحد؛ فهى تحافظ على تعاون عسكري واستراتيجي وثيق مع الولايات المتحدة، وتطور علاقاتها الدفاعية مع دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، بينما وسعت تعاونها مع الصين والهند وتركيا، وحافظت على علاقات وثيقة مع السعودية ودول الخليج ، وهى تلك السياسة التى تمنحها هامشاً واسعاً للمناورة؛ إذ تجعل باستطاعتها التعاون مع أطراف مختلفة في ملفات محددة دون أن تكون ملزمة بالدخول في مواجهة عسكرية إلى جانب طرف ضد طرف آخر.

وهكذا نجد أن الحسابات التاريخية المصرية التى رفضت مصر من خلالها الدخول فى الأحلاف العسكرية، هى نفسها الحسابات السياسية التى منعتها من التوقيع على اتفاق مكة، وهى نفسها أيضاً الحسابات السياسية التى قد تجعلها يوماً ما تدخل ضمن هذا الاتفاق إذا ما رأت المصلحة فى ذلك، فضلاً عن أن هناك بعض التقديرات السياسية التى تشير إلى أن بقاء القاهرة خارج الاتفاق في مرحلته الحالية هو خيار تكتيكي، وليس رفضاً نهائياً.

حفظ الله مصر وقيادتها وجيشها وشعبها من كل مكروه وسوء .
--------------------------------
بقلم: د. مصطفى يونس أحمد


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:18
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
25.0°C
توقعات الساعات القادمة
25.0°C
24.1°C
23.6°C
22.7°C
21.7°C
21.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار

- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...