مدن النار والأفكار: حين رسمت بيروت والقاهرة والإسكندرية خرائط العالم البديل
في زمنٍ كانت فيه الخرائط تُرسم بالمدافع، كانت هناك خرائط أخرى تُرسم بالكلمات.. خرائط خفية لا تُرى، لكنها تعيد تشكيل العالم من جذوره. من هذا الأفق، يأتي كتاب "شرق المتوسط وتكوين التيار الراديكالي العالمي" ترجمة دعاء نبيل إمبابي، أحد أهم الإصدارات التي قدّمها المركز القومي للترجمة، ليعيد فتح ملفٍ ظل طويلًا في الهامش، رغم أنه كان في قلب التحولات الكبرى.
في هذا العمل، تأخذنا الباحثة إلهام خوري مقدسي إلى فضاءٍ نابضٍ بالحركة، حيث لم تكن بيروت والقاهرة والإسكندرية مجرد مدن متجاورة على خريطة، بل كانت عقدًا حيوية في شبكةٍ فكرية عابرة للحدود، تتشكل فيها وتنتقل عبرها الأفكار الراديكالية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
يتناول الكتاب تشكّل هذه الأفكار ونشرها داخل تلك المدن وبينها، مركزًا على الاشتراكية والفوضوية، وعلى الترجمات المتعددة التي حملت هاتين الأيديولوجيتين إلى سياقات جديدة، حيث لم تكن الترجمة مجرد نقلٍ لغوي، بل كانت إعادة خلقٍ للفكرة ذاتها، بما يتلاءم مع واقعٍ اجتماعي وسياسي مختلف.
لكن قصة الراديكالية هنا لا تُروى بوصفها حكاية محلية أو منفصلة؛ بل كجزء من سردية أوسع بكثير. إذ يكشف الكتاب عن اتصالٍ عميق بين الصور المختلفة للأفكار والأنشطة في هذه المدن، وبين شبكات اجتماعية وثقافية ممتدة، أسهمت في بناء ما يمكن وصفه بـ"جغرافيا تنافسية" أو مسار راديكالي خاص، يربط بين بيروت والقاهرة والإسكندرية. هذا الترابط لم يكن مجرد تزامن، بل كان محركًا أساسيًا لتشابهٍ لافت في الصيغ المختلفة للأفكار، وفي طبيعة المشروعات والأنشطة الاحتجاجية اليسارية التي نشأت في تلك البيئات.
ومن خلال هذه القراءة، تتجاوز الدراسة الأطر التقليدية التي حكمت أجيالًا من الكتابات حول القومية في المنطقة. فبدلًا من تقديم القومية بوصفها الأيديولوجية المهيمنة والمكتملة خلال تلك المرحلة، يفتح الكتاب نافذة على تعددية فكرية أكثر تعقيدًا، حيث تتجاور وتتصارع وتتشابك أفكار وممارسات متعددة، انتشرت في شرق المتوسط، ووجدت في المدن الثلاث مسرحًا حيًا لتجلياتها.
ربما لم تكن الأفكار يومًا بلا وطن، لكنها أيضًا لم تعرف حدودًا. فكل فكرةٍ تُترجم، تُولد من جديد.. وكل مدينةٍ تستقبلها، تترك فيها أثرًا لا يُمحى. وبين ما قيل وما تُرجم وما انتقل خفيةً بين الموانئ، يتشكل تاريخٌ آخر.. تاريخٌ لا يُكتب بالحبر وحده، بل بحركة العقول وهي تعبر العالم، باحثةً عن معنى.. أو ربما، عن ثورة.
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري