الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 19.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
محمد عبده الشاذلي.. ملوخيّة بالقنفد!

محمد عبده الشاذلي.. ملوخيّة بالقنفد!

توقفتُ فترةً عن تسطير مواقفَ من سِيَر رموز قريتنا الأصيلة، التي يقف أفرادُها بشرف في ميدان الشّقا؛ بحثا عن لقمة العيش. سبب ذلك التّوقف هو انشغالي ببعض البحوث العلمية، والاستغراق في مهام العمل ببلاط صاحبة الجلالة، التي اهتزت جلالتها مؤخّرا لحدوث طفرة في عالم الذكاء الاصطناعي، سحبتْ البساط من تحت أقدام الصحيفة الورقية، التي مازال لها رونقُها وحظوتها عند محبّي رائحة الحبر والورق.

في جلسة سَمر ليلة أمس، لم تستغرق وقتا طويلا؛ لحرصي على العودة للبيت لمشاهدة مباراة بلجيكا والسنغال مع ابني الأوسط، الكروي الصميم، والأهلاوي القديم، رغم أنّه لم يُشاهد عبده نصحي أو يُشجّع صالح سليم، إلا أنّ الكرة في دمه، وتذهب دراسته للطب البيطري للجحيم!

وللقارئ فابني مُشجّع مُتعصّب. أثناء مشاهدته للمباراة، تكون أخلاقه في (مناخيره)، «وعَوَضْنا على الله» في كنبة الأنتريه، التي تحطّمتْ لانتفاضاته المتكررة؛ تفاعلا مع التمريرات والجمل الكروية. أقول: في تلك الجلسة السريعة أمس، سألني أخٌ عزيز عن مقالاتي، التي تُمتعُه في وقت شحّت فيه الابتسامة تأثرا بالظروف الاقتصادية الطاحنة، فأجبته سأعود، وشرعت صباح اليوم في استئناف ما توقفتُ عنه.

ومقال اليوم، لن أسلط فيه الضوء على سيرة صاحبه، بل سأنقل عنه مواقف مضحكة؛ لأستلّ الضحكة من قلوب ران عليها الحزن والنكد، وغادرت الابتسامةُ الشفاه. 

الحاج محمد عبده الشاذلي، هو بطل هذا المقال، وهو رجل (منشّي) في هندامه، وأناقه ثوبه، وتكتمل أناقتُه بارتدائه الجلباب البلدي، مُميّز القماش والتفصيل، ونظارته (الريبان) السوداء، التي تُخفي عينيه، أثناء استقلال دراجته البخارية، التي يجوب بها شوارع القرية صباح مساء، كما لو كان في دورية شرطية. شكا لي الحاج محمد يوما من أخيه الأكبر الحاج عفيفي أبو عبده، وهو شيخ بلد من العيار الثقيل، زاعما أنّه ضيّع مستقبله الدراسي، وأملَه في الالتحاق بكلية الشرطة، حينما أخبره - على خلاف الحقيقة - برسوبه في الثانوية ليصرفه عن الذهاب للمدرسة لاستخراج أوراقه، ويتركه بمفرده في (أمينة) الطوب اللبن، يصنع قوالب طوب (مقاعد) الزوجية! فامتثل محمد وظل في بِركة الطين من طلعة الشمس لغطستها، بينما ذهب عفيفي لقضاء مصالحه بمركز طوخ، تاركا محمدا وحده يندب حظّه العَكر.

وحتى ألقي ظلال الفكاهة على الحوار، عقّبت قائلا: «لقد صنع الحاج عفيفي بالناس خيرا يا حاج محمد، فلو التحقت بكلية الشرطة لكانت داهية سودة، لأنك كنت ستعامل الناس بالحديد والنار، وسيقطع من يقع تحت يديك الخَلَف»، فيضحك بملء فيه، وهو يردد ما قاله فريد شوقي في فيلم الأبطال: «ضاعت فلوسك ياصابر» إشارة إلى ضياع حقه.

الحاج محمد عبده الشاذلي، عنده مقدرةٌ على استنطاق الحجر، فقد لامني في حديث جانبي يوما بأنّني أركّز في مقالاتي على (العبّ) الغربي من قريتنا، وأنسى (العب) الشرقي، فوعدته بأنني سأتناول قريبا سيرة خاله عمدة القرية السابق السيد أفندي عصر بالعب الشرقي، وأوصيته بألا يُحدّث المهندس جمال عصر عمدة القرية الحالي بذلك؛ حتي لا يفوّت عنصر المفاجأة، ولكيلا يُجبرني أن أكتب تحت ضغط، فهزّ رأسه من أعلى لأسفل تعبيرا عن موافقته على ما أقول، وما إن انصرف حتى أخبر العمدة بما دار، فصارت الكتابة عن والده العمدة السابق أمرا لا يحتمل التأجيل.

ودليلُ قدرة الحاج محمد الشاذلي على استنطاق من أمامه، أنه جلس يوما في (مدشّة) علف أولاد الحاج عبد الفتاح أبو صالح، وقال لأستاذ التاريخ العملاق مهدي عطوان: أيه آخر أخبارك يا مهدي؟ فقال مهدي، وقد تهللت أساريره، فأضاء بياضُ أسنانه سُمرةَ وجهه. زار أحدُ الأصدقاء صديقا له في(جِنينة) عنب، قطوفها دانية، والنخلُ فيها باسقات لها طلعٌ نضيد، تجري بها جداولُ المياه العذبة، وتحيط الخضرةُ بالمكان، فقضى الصديق مع صاحبه سحابةَ يومه، ولما همّ بالانصراف، أقسم المُضيّف أنّه لن يتركه قبل الغداء، فامتثل، وجيء للضيف بطبق ملوخية خضراء، طفت على سطحها فقاعاتُ الدّسم، وعدة أرغفة (مفقّعة) فأكل الضيف بنهم، وتساءل بعدما أثنى على روعة مذاق الملوخية: هو أنت طابخ فيها أرانب أم دجاج؟ فقال والله لا هذا ولا ذاك، بل ذبحتُ لك فيها (قنفد)، هكذا كما قرأت (قنفد)، فأدخل الضيف أصبعه في حلقه؛ ليستقيء، وظل يتمرغ في جنينة العنب، كما لو أن سكينا يُقطّع أحشاءه.

الحاج محمد عبده الشاذلي عضو بالجمعية الزراعية بقرية إمياي، وهو رجل خدوم ومضياف وفكاهي، وصاحب صاحبه، ونموذج واضح لابن البلد الجدع.
---------------------------------
بقلم: صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:11
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
19.8°C
توقعات الساعات القادمة
19.8°C
19.3°C
18.9°C
19.0°C
20.6°C
23.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة

السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...

مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...