السبت، 07 نوفمبر 2026 القاهرة 18.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
لماذا تنتصر روسيا ؟

لماذا تنتصر روسيا ؟

كثيرا ما نسمع عن فشل خطة الرئيس الروسى "فلاديمير بوتين"، والدليل الذى يساق لك فى العادة ، أن حملة "بوتين" فى أوكرانيا قادت إلى العكس مما تمنى ، فقد كان يريد إبعاد حلف شمال الأطلنطى "الناتو"عن حدود روسيا ، بينما تؤدى مخاوف مصاحبة للحملة إلى مضاعفة حدود "الناتو" المباشرة مع روسيا ، بدفع دولتى "السويد" و"فنلندا" إلى طلب الانضمام لحلف "الناتو" ، و"فنلندا" لها حدود مباشرة مع روسيا تزيد على 1300 كيلومترا ، وقد كانت "فنلندا" محايدة عسكريا كما يزعم على مدى مئة سنة مضت ، بينما كانت "السويد" على الحياد العسكرى لمئتى سنة ، وانضمام البلدين لحلف "الناتو" يقلب الموازين لغير صالح روسيا ، ويشدد الحصار من حولها ، ويستنزف طاقتها على البقاء الآمن كما يفترض .

وعلى الرغم مما يبدو من وجاهة ظاهرة  فى الأقوال أعلاه ، إلا أن قوة إقناعها تبدو صورية تماما ، فالسويد وفنلندا عضوان فى منظمة "الاتحاد الأوروبى" ، وجرى دفعهما أمريكيا كما الآخرين إلى منازلة روسيا فى حرب أوكرانيا الجارية ، وقدمتا ما استطاعتا من سلاح ومال إلى جماعة الرئيس الأوكرانى "فولوديمير زيلينسكى" ، وقد بلغ ما قدمه الأمريكيون والأوروبيون فى الحرب علنا إلى ما تزيد قيمته على المئة مليار دولار حتى اليوم ، ومن دون أن يؤدى الإنفاق الرهيب إلى ماتمنوه من إضعاف روسيا ، وهو ما يعنى أن مبدأ الحياد العسكرى لفنلندا والسويد كان شعارا بغير تطبيق فعلى ، أضف إلى ذلك ما هو معلوم من حقائق التاريخ غير البعيد ، التى تثبت أن دعوى حياد فنلندا المجاورة لروسيا ، لم تمنع حكوماتها ، ولا حجبت أراضيها ، عن التحول لميادين حرب ، وعلى مراحل متعددة ، كان آخرها فى ما عرف باسم "الحرب العالمية الثانية" ، خصوصا فى المعارك الضارية المميتة بين قوات النازية الهتلرية وقوات الجيش الأحمر السوفيتى ، وقد انتهت إلى ضم روسيا لعشر مساحة الدولة الفنلندية ، إضافة لاستيلاء روسيا النهائى على جيب "كالينينجراد" على بحر البلطيق الذى تطل عليه "فنلندا" ، وتبلغ مساحة "كالينينجراد" أكثر من 15 ألف كيلومتر مربع ، وعدد سكانه الروس يفوق المليون نسمة ، وهو منفصل جغرافيا عن اليابسة الروسية ، وفيه مقر قيادة أسطول البلطيق الروسى ، وقد بادرت روسيا أخيرا بترك "مجلس دول بحر البلطيق" ، وهو ما يعنى الإنهاء الفورى لاتفاقات التعاون والسلام السابقة ، ربما تمهيدا لاستثمار إقليم "كالينينجراد" للحد الأقصى ، وجعله خنجرا نوويا مغروسا فى قلب الغرب الأوروبى الأطلنطى ، إضافة لنشر قواعد عسكربة وصاروخية نووية على طول الحدود مع "فنلندا" ، بالتواقت مع نشر 50 صاروخا نوويا عالمى المدى من طراز "سارمات 2" فى الخريف المقبل ، فضلا عن فرص نشر صواريخ "الليزر" القادرة على إحراق الأقمار الصناعية بدقائق ، وإلى غيرها من المفاجآت المخبئة فى جيب "الحاوى" الروسى ، وبما يضع أمن أوروبا ـ بما فيها فنلندا والسويد ـ تحت خطر تهديدات أمنية وجودية ، قد تفوق بمراحل ما تتعرض له روسيا بتوسعات "الناتو" .

والسر ببساطة ، أن التوسع الجغرافى لحلف "الناتو" ، يقابله الامتداد الجغرافى الهائل لروسيا وحدها ، وهى أكبر بلدان الدنيا مساحة (17 مليون كيلومتر مربع) ، وتمتد حدودها البرية والبحرية مع دول نصف الكرة الشمالى كله ، ومع "أمريكا" نفسها عبر مضيق "بيرينج" ، وبقدر ما توفر المساحة الشاسعة لروسيا من موارد ومرونة فى احتمال الضغوط ، فإنها ترتب مخاطر وجودية فى كل اتجاه ، تدفع القيادة الروسية لمضاعفة قدراتها العسكرية البرية والبحرية والجوية ، ليس فقط فى اتجاه الغرب الأوروبى وحلف "الناتو" ، ولروسيا وحدها أربعون بالمئة من مساحة أوروبا ، وقد فقدت مع انهيار الاتحاد السوفيتى "حلف وارسو" ، وتعرضت لإذلال تاريخى ، صحت بعده مع حكم "بوتين" إلى قيامة جديدة ، وأقامت حلفا بديلا تحت اسم "معاهدة الأمن الجماعى" ، يضم خمس دول إلى جوار روسيا ، إضافة لعلاقة "بلا حدود" مع الصين الزاحفة إلى عرش العالم اقتصاديا بالذات ، وهو ما مكن روسيا من الاستطراد فى مواجهة التهديد الغربى الأطلنطى ، عبر صيانة تماسكها الداخلى فى حروب الشيشان ، ثم بحرب "جورجيا" الخاطفة فى 2008 ، وحرب "القرم" و"ميناء سيفاستبول" عام 2014 ، وصولا إلى ما تسميه روسيا اليوم "العملية العسكرية الخاصة" فى أوكرانيا ، التى استطالت أيامها وشهورها ، وتحولت إلى حرب عالمية تحت المستوى النووى ، تواجه فيها روسيا وحدها تحالفا من خمسين دولة وأكثر ، تصورت به أمريكا قائدة حلف "الناتو" ، أن بمقدورها هزيمة روسيا ، بفرض عقوبات من عشرة آلاف صنف ، بهدف استنزاف موسكووسحق اقتصادها ودفعها للركوع ، وربما للتحلل الذاتى تحت ركام الضغوط الاقتصادية والحربية غير المسبوقة كونيا .

وقد لا تبدو هزيمة روسيا ممكنة ، هذا على الأقل ما يذكرنا به التاريخ ، واقترانه باتساع الجغرافيا الروسية ، وتنوع بيئاتها وتضاريسها وفصولها ، وصحيح أن التاريخ لا يعيد نفسه بذات الطريقة والتفاصيل ، لكن قانونه يبقى فعالا على الدوام ، وقد تعرضت روسيا لمحن حربية واقتصادية مريعة ، قد لا يكون المجال متسعا لعد مراحلها ، نكتفى فحسب بذكر أخطر غزوتين من الغرب لروسيا ، غزوة "نابليون" الكبرى عام 1812 ، وغزوة "هتلر" الأكبر بأربعة ملايين جندى لروسيا فى عملية "بارباروسا" عام 1941 ، وفى الحالين نزفت روسيا بغزارة ، وزاد عدد قتلاها فى الحرب النازية على 25 مليونا ، لكن الهزيمة النهائية كانت من نصيب "هتلر" كما "نابليون" ، وكان الجيش الروسى أسبق الحلفاء إلى تحطيم أسطورة هتلر واحتلال "برلين" ، ولا أحد عاقل يتوقع للرئيس الأمريكى العجوز "جو بايدن" مصيرا نوعيا أفضل من نهايات "نابليون" و"هتلر" ، وقد تطورت وتنوعت أساليب الحروب ، لكن احتمالات النصر الروسى تبدو الأرجح ، ولأسباب شتى ، بينها القوة النووية والصاروخية لروسيا ، وهى الأكبر والأخطر بامتياز فى دنيانا اليوم ، وتمنع مجرد التفكير فى غزو روسيا عسكريا ، وقد لا يكون وضع روسيا الاقتصادى مكافئا لاتساع جغرافيتها وعظمة مواردها ، فالناتج الإجمالى لاقتصاد روسيا اليوم ، يساوى بالكاد عشرة بالمئة من الناتج الإجمالى الأمريكى المعلن ، لكن حصار روسيا ومقاطعتها ماليا وتجاريا ، لم يؤد إلى دهس الاقتصاد الروسى كما حلم "بايدن" ، بل كانت المفارقة فى حدوث العكس بالضبط ، فقد توقع "بايدن" انهيارا فوريا فى العملة الروسية "الروبل" ، وقد كان الدولار الأمريكى الواحد يساوى نحو 90 "روبل" قبل بدء حرب أوكرانيا ، وتوقع "بايدن" أن يصل الدولار الواحد إلى ما يزيد على 200 "روبل" ، وكانت المفاجأة المدوية ، أن "الروبل" تضاعفت قيمته بعد تراجع مؤقت ، وأصبح أفضل عملات العالم أداء بشهادة المؤسسات المالية الأمريكية ذاتها ، وتراجع الدولار إلى ما يساوى 55 "روبل" لا غير ، وجرت المباراة الاقتصادية على الهواء ، وبإجراءات ذكية متلاحقة من إدارة "بوتين" الروسية ، التى لجأت لاستثمار المزايا النوعية لا الكمية للاقتصاد الروسى ، وفرضت تسعير الغاز الروسى بعملة "الروبل" على شركاء "بايدن" الأوروبيين ، الذين عجزوا حتى اليوم عن فرض حظر فورى على البترول والغاز الروسيين ، وتكاثرت متاعب التضخم فى اقتصادات أوروبا المنقادة وراء إدارة "بايدن" ، وفيما بدا التحالف الأطلنطى متماسكا بقوة فى أسابيع الحرب الأولى ، فقد زحفت عليه أعراض التشقق واختلاف المصالح ، فيما بدت روسيا قادرة على تنويع تحالفاتها وشراكاتها وبدائلها ، واستعدادها للذهاب إلى حافة الهاوية فى حروب الاقتصاد والسلاح ، وإلى حد بدا معه حلم عزل روسيا مستحيل التحقق ، فبوسع موسكو الاستناد إلى الجدار الصينى ، وبوسع موسكو أن تعيد تكييف اقتصادها ، وأن تفيدها العقوبات فى نهوض صناعى وتكنولوجى مدنى ، يقارب امتيازها المشهود فى الصناعات العسكرية والنووية ، وأن تسهم مع بكين فى تخليق نظام مالى عالمى جديد ، يفكك تدريجيا هيمنة الدولار ، المفروض بلا سند مقنع كعملة احتياط دولية ، وفى الميدان الأوكرانى الحربى المباشر ، نزفت روسيا عسكريا فى البداية ، لكنها راحت تستعيد خصالها التاريخية المعتادة ، ومن دون احتياج إلى إعلان حالة الطوارئ والتعبئة العسكرية العامة ، ومع الحفاظ على حجم القوة المحاربة ، جرى تغيير تكتيكاتها فى صمت ، وراحت تتقدم إلى أهدافها المعلنة بتمهل ونفس هادئ ، لكن مع قضم متصل للشرق والجنوب الأوكرانى ، ليس بالتقدم الغالب فى إقليم"الدونباس"وحده ، بل بالسيطرة على كامل "خيرسون" ومساحات كبيرة من مقاطعات "زابوريجيا" و"خاركيف" و"ميكولايف" ، وربما التقدم إلى "أوديسا" لعزل أوكرانيا تماما عن "البحر الأسود" بعد الاستيلاء التام على "بحر آزوف " ، مع استمرار القصف الصاروخى والجوى المتلاحق ، واستنزاف شحنات السلاح الغربية المتدفقة ، والاحتفاظ بورقة إنهاء الحرب إلى الوقت الملائم لروسيا ، ربما فى نهايات الصيف أو مطالع الخريف المقبل .
-----------------------------
بقلم: عبدالحليم قنديل
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:39
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.3°C
توقعات الساعات القادمة
18.3°C
17.8°C
17.3°C
17.0°C
16.8°C
16.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,074ج.م
عيار 21
6,190ج.م
عيار 18
5,306ج.م
الجنيه الذهب
49,520ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...