"لا شيء معي إلا كلمات"
أمشي في هذا الزمان خفيف اليدين إلا من أوراق أثقلتها سنوات البحث، وخفيف الجيب إلا من كنوز المعرفة التي لا تباع في الأسواق.
أنظر حولي فأرى الضجيج يعلو، وأرى وجوها صنعتها المصادفة تتصدر المشهد، بينما يقف أهل العلم في الظل، يحملون مصابيحهم القديمة وينتظرون من يسأل عن الطريق.
لم يكن الرثاء يوما للأشخاص وحدهم، بل قد يكون للمقامات التي تهاوت، وللقيم التي تراجعت، وللأماكن التي خلت من أهلها.
وها أنا أرثي مقام العلم الذي كان إذا تكلم أنصت له الناس، وإذا أشار تبعوه، وإذا اختلفوا جعلوه حكما بينهم.
أما اليوم فقد أصبحت الكلمة الرصينة غريبة في وطن الضجيج، وأصبح العالم كمن ينادي من وراء حجاب، يسمعه القليل ويعرض عنه الكثير.
كان أهل العلم يوما زينة المجالس، وعنوان النهضة، وروح الأمم. كانت الرحلات تشد إليهم، والقلوب تتعلق بكلماتهم، والناس يتنافسون في القرب منهم. كانوا يحملون مشاعل الهداية والمعرفة، فتتسع بهم آفاق الحياة وتستنير بهم العقول.
أما اليوم فقد تبدلت الأحوال، وصارت الشهرة تنال في لحظات، بينما يقضي العالم عمره كله يجمع العلم حرفا حرفا، ثم لا يكاد يجد من يصغي إليه.
يا لحزن المكتبات الممتلئة بالمعرفة وهي ترى الأعين منصرفة عنها. ويا لحزن الكتب التي سهر أصحابها الليالي في تأليفها، ثم صارت حبيسة الرفوف، بينما تتصدر المشهد كلمات عابرة لا تعيش أكثر من ساعات. أصبح كثير من أهل العلم غرباء في أوطانهم، يحملون هموم المعرفة في زمن لم يعد يصبر على المعرفة، ويقدمون الحقائق في عصر يفضل الإثارة على الحقيقة.
كم من عالم أفنى شبابه بين الكتب والمراجع، وأرهق عقله بحثا وتدقيقا، ثم وجد نفسه في آخر الطريق وحيدا إلا من علمه.
وكم من باحث قدم عمره قربانا للحقيقة، ثم رأى من لا يملكون من الزاد إلا الكلام السريع يحصدون التصفيق والأضواء.
إنها ليست حسرة على مكانة اجتماعية ضائعة، بقدر ما هي حسرة على ميزان اختلت كفتاه، فلم يعد يزن الناس بما يحملون من علم، بل بما يملكون من حضور وضجيج.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يدعو إلى التأمل هو أن أهل العلم لم يتخلوا عن رسالتهم. لم يتركوا كتبهم، ولم يغلقوا أبواب المعرفة، ولم يساوموا على الحقيقة. بقوا أوفياء للكلمة، مؤمنين بأن ما يزرعونه اليوم قد يثمر غدا، وأن النور مهما خفت لا ينطفئ. يقفون في مواجهة الجهل بما يملكون، ولا يملكون إلا كلمات.
كلمات يراها البعض ضعيفة، لكنها كانت عبر التاريخ أقوى من السيوف، وأبقى من العروش، وأقدر على صناعة المستقبل.
إن الأمم لا تخسر حين يفتقر علماؤها إلى المال أو الشهرة، لكنها تخسر حين تفقد القدرة على الإنصات إليهم. وتبدأ رحلة التراجع يوم يصبح صاحب المعرفة غريبا بين قومه، ويصبح صوت الحكمة خافتا وسط صخب لا ينتهي. عندها لا يكون الرثاء لأهل العلم وحدهم، بل لمجتمع بأكمله اختار أن يبتعد عن منابع النور.
لهذا أكتب اليوم، لا رثاء لأشخاص ما زالوا أحياء بيننا، بل رثاء لهيبة كانت تحيط بالعلم، ولمكانة كانت تليق بأهله، ولزمن كانت فيه الكلمة الصادقة تجد من يحفظها ويصونها.
أكتب وقلبي مثقل بهذا السؤال: ماذا يبقى للعالم إذا انصرف الناس عن علمه؟
لا شيء معه إلا كلمات.
لكن التاريخ كله يشهد أن الحضارات بدأت بكلمات، وأن العقول استنارت بكلمات، وأن الإنسان ارتفع فوق جهله بكلمات. وربما كان عزاء أهل العلم أنهم، وإن خفتت أصواتهم اليوم، فإن الكلمة الصادقة لا تموت، وإن تأخر صداها.
فتبقى الكلمات، ويبقى أصحابها شهودا على زمن لم يقدرهم كما ينبغي، ويظل العلم، رغم كل شيء، آخر ما ينجو من خراب الأيام.
------------------------------------------
بقلم: د. محمد اشرف الغمراوي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري