الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 18.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي

كنت هناك

فى مثل هذه الأيام من العام الفائت، كنت نازلا من عملى فى "الأهرام" الى ميدان سليمان باشا، كان يوما حارا، مرت قبل مغربه نسمة شجعتنى على المشى، "خرمت " من خلف القنصلية الإيطالية الى شارع "ضهر الجمال" ومنه الى شارع "أبو طالب"، سنوات طويلة كنت التقى أصدقاء رائعين فى مقاهى هذا الشارع الذى يصب فى شارع الجلاء، وعلى رأسهم صديقنا الكبير الأستاذ ممدوح أباظة عمدتنا فى بولاق مصر المعروفة ببولاق أبوالعلا، (اختفت هذه الشوارع مؤخرا بسبب تطوير مثلث ماسبيرو)،  رحب بى قهوجى من الحرس القديم، شجعنى ترحابة وذكرياتى مع الشيشة المضبوطة فجلست، لم تكن غير طاولة واحدة يجلس اليها أربعة رجال غرباء على المكان، فى غاية الأناقة، أعمارهم حول الخمسين، "يشيشون" ويحملون حقائب جلدية "سينييه"، خمنت أنهم يعملون فى البنوك أو البورصة أو الخارجية أو شيء من هذا القبيل، جلست فوق الرصيف المواجه لهم، وأذنى مع اذاعة الأغانى التى كانت تبث أغنية ما أعتقد اننى أسمعها للمرة الأولى، وكان "البهوات" صامتين، الصمت الذى أعقب حوارا لم أكن موجودا وهو يدور، فجأة، وقف أحدهم، وقال بصوت عال "كنت هناك"، وأخذ يردد هذه الجملة بعصبية، وأضاف "حرام عليكم، الظلم حرام، الراجل ما عملش حاجة غلط، انتو ما فيش فى قلبكم رحمة"، وانحنى ليأخذ حقيبته وهو يقول "حسبى الله ونعم الوكيل"، التقت عينانا وهو منصرف، ووجه الكلام لى وهو يشير الى الثلاثة " دى ناس وسخة وربنا هينتقم منهم"، أداء الرجل وصدقه وحدته والدموع المؤجلة فى صوته تركوا بداخلى أثرا مشى معى طويلا، كلما مررت من هناك، أو ضاقت بى الدنيا، أو تأملت مصائر بعض من التقيتهم فى الطريق الطويل الذى قطعته أو عملت معهم، ترن فى أذنى " كنت هناك".

مع بداية شتاء 2017 بدأت كتابة نصوص قصيرة عن مشاهد ولحظات كنت شاهدا عليها، فى الصحافة والثقافة والفن والسياسة، كنت اكتب باستمتاع عن تحولات بعض الأصدقاء وخستهم، عن الطمع، عن الذين عوضوا فقر موهبتهم بالمؤامرات وكتابة التقارير وقطع عيش الأنقياء وحصارهم، معظم هؤلاء هم الذين يقودون الرأى العام حاليا (وفى كل العهود)، بالطبع تذكرت نبلاء كثيرين صادفتهم فى الطريق، اكتشفت الزحام الذى غمر حياتى رغم الوحدة، كل هذه الأسماء والوجوه والحكايات والأماكن والعلاقات؟ .. شئ لا يصدق!. 

انتهيت من هذه الحالة فى شهر ابريل الماضى، فى الأسبوع الماضى  عدت اليها لكى أعدها ككتاب يحمل اسم " كنت هناك" .. أصابنى الهلع، هل وصل بى الأمر الى هذا الحد؟ .. كيف استمتع بتجريس الناس؟، المشهد الذى ألهمنى الكتاب أسمى وأرقى، وجدت الكتاب عملا انتقاميا رخيصا، خفت على نفسى وأنا أتصفحه، هل وصلت الى هذه الدرجة؟  حذفت الكتاب من الكمبيوتر ومن "الفلاشة"، كنت مستمتعا وأنا أفعل هذا، كأننى أزيح جبلا عن صدرى .. لأننى أيضا "كنت هناك".

------------

بقلم: إبراهيم داوود

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة02:48
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.6°C
توقعات الساعات القادمة
18.6°C
18.3°C
18.3°C
18.2°C
18.4°C
19.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

مهام البناء على المتاح

من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...