قطرات من مداد في بحر من دماء! | القطرة الثالثة: مصر أولاً: بين الشعار والإستراتيجية (١/٣)
مرة أخري يرتفع شعار "مصر أولاً" ، ويثير النقاش وتحتد الآراء في الجدل، وقد ازدادت حدة هذا النقاش مؤخراً علي هامش الحرب الدائرة الآن ضد إيران والتي يشنها تحالف بين ترامب ونتنياهو، وخاصة عندما قامت إيران بتوجيه ضربات قوية متتالية ضد القواعد الأمريكية المنتشرة في أغلب دول الخليج العربي / الفارسي، حيث تساءل بعض الكتاب في الخليج عن "الموقف المصري" علي ضوء العبارة الموجزة "مسافة السكة"، علي إعتبار أنها كانت وعداً رئاسياً مصرياً لا يجوز النكوص عنه، ومن ناحية أخري توالت ردود بعض المصريين تفند تلك المطالبة، وتستنكر وجود القواعد الأمريكية التي استدعت الهجوم الإيراني عليها، ووصلت بعض المبادلات / المبارزات إلي حد الإهانة والمعايرة من الجانبين، بل ووصل إلي الإنكار المتبادل بين الطرفين، حيث ادعي البعض في الخليج أنهم لا ينتمون إلي عالم عربي "لا يهش ولا ينش"، ولا فائدة له فرادى وجماعات، وأن دول الخليج عليها أن تبحث عن أمنها الوطني مع أطراف غير عربية، ومنها "إسرائيل"، فنهض بعض المصريين بدورهم ساخرين من الإطار العربي، وخاصة خليجه الثري الذي أعاد الإستعمار الغربي للمنطقة، ونادي هذا البعض بضرورة أن تكتفي مصر بشعار "مصر أولاً"، وتتمتع بـ"عزلتها السعيدة" بعيداً عن أي التزام تجاه شعوب الإقليم المختلفة، وبدأوا في التنظير العميق علي الضفتين!.
وقبل مناقشة تلك الإدعاءات المتبادلة، قد يكون من المناسب الإبحار لبعض العمق بحثاً عن لآلئ المعاني التي غاصت بين أمواج عاصفة ترغي وتزبد..
وربما يتطلب الأمر أكثر من مقال، ولكنه يستحق في تقديري، وهو ما سوف أحاوله الآن، مبتدئاً بالتعاريف الضرورية لفتح أبواب النقاش بشكل علمي وحضاري.
ولنبدآ سوياً بطرح مفهوم "الدولة القومية"، بإعتبارها محل الجدل البيزنطي الشوفيني الذي اشتعل أواره، وكل يغني من ديوان الحماسة لقبيلته! ..
ظهر مفهوم الدولة الوطنية (Nation-State) تدريجيًا في أوروبا الحديثة، حيث لم يظهر كفكرة جاهزة في لحظة واحدة، بل تشكّل عبر قرون، ويمكن تتبّع نشأة الدولة الوطنية في محطات رئيسية كما يلي:
1. ما قبل الدولة الوطنية (العصور الوسطى) كان النظام السياسي في أوروبا قائمًا على ما يلي :
• إمبراطوريات واسعة.
• إقطاعيات محلية .
• سلطة دينية قوية (الكنيسة).
ولم تكن هناك حدود وطنية واضحة أو ما يمكن أن نطلق عليه مفهوم “أمة = دولة”.
2. لحظة التحول الكبرى عام 1648:
يُعتبر توقيع صلح وستفاليا Peace of Westphalia في ذلك العام هو البداية العملية لنظام الدولة الوطنية الحديث.
فقد تضمن هذا الاتفاق:
• إنهاء حرب الثلاثين عامًا في أوروبا.
• ترسيخ مبدأ سيادة الدولة داخل حدودها.
• الحد من تدخل الإمبراطوريات والكنيسة في شؤون الدول.
ومن هنا بدأ يتكون شكل “الدولة السيادية المستقلة”.
3. القرنان الثامن والتاسع عشر شهدا تشكّل “الأمة” في هذه المرحلة، خصوصًا مع:
• الثورة الفرنسية .
• وصعود القومية الأوروبية.
واتضح الربط بين عناصر ( شعب + لغة + ثقافة + حدود )= دولة .
وهكذا باختصار تبلور مفهوم “الدولة الوطنية” بالشكل المعروف اليوم.
وقد وفرت الدولة الوطنية المميزات التالية:
1) الاستقرار السياسي النسبي، من حيث وجود حدود وسيادة واضحة يقلل من الفوضى والصراعات الداخلية بين السلطات المتعددة.
2) تعزيز مفاهيم الهوية والانتماء الوطني ، حيث يتم توحيد المواطنين حول بعض العناصر ومنها:
• لغة مشتركة .
• رموز وطنية.
• تاريخ مشترك.
3) بناء مؤسسات قوية مثل:
• جيش وطني .
• نظام قانوني موحد.
• إدارة مركزية فعّالة.
4) التنمية الاقتصادية لأن وجود دولة موحدة يسهل:
• الضرائب .
• التخطيط .
• البنية التحتية .
إلا أنه تجدر الملاحظة بأنه من عيوب الدولة الوطنية كما ظهرت في التطبيق كانت كما يلي :
1) إقصاء التنوع الداخلي من حيث أن الدولة الوطنية تفترض غالبًا “أمة واحدة”، بما قد يؤدي إلى:
• تهميش الأقليات .
• صراعات هويات داخلية .
2) صعود القومية المتطرفة تتحول في بعض الحالات إلى:
• قومية عدائية.
• نزاعات مع دول أخرى.
كما حدث في أوروبا قبل الحربين العالميتين الأولي والثانية.
3) خلق الحدود المصطنعة أحيانًا خصوصًا في الدول حديثة التكوين، حيث لا تتطابق الحدود مع الواقع الثقافي أو القبلي أو التاريخي (مثال سايكس / بيكو ، وإنشاء إسرائيل).
4) تضييق الانتماءات الأوسع مثل:
• الانتماء الإقليمي .
• أو الإنساني العالمي .
وهو ما يخلق ما يمكن أن نطلق عليه: "شرنقة وطنية مغلقة"، ما قد يؤدي إلي صدام بين “المصلحة الوطنية” و“المصلحة الدولية”.
ولكن في التحليل الأخير يمكن القول بأن الدولة الوطنية هي نموذج ناجح في تنظيم السلطة الحديثة، لأنها علي الأقل:
• ضبطت الفوضى السياسية القديمة، والتي أدت إلي تفاقم الحروب والصراعات .
• وقامت ببناء مؤسسات قوية .
فإذا كان ما تقدم بإختصار هو مفهوم الدولة الوطنية (Nation-State) في النموذج الغربي ، فهل هو نفسه في الشرق الأوسط ، أم أن هناك فروقاً جوهرية بين النموذجين؟، رغم أن الشرق الأوسط قد استورد هذا المفهوم الأوروبي المنشأ، أو فرض عليه بعد الحرب العالمية الأولي. وهذا ما نأمل أن نوضحه في طريقنا للبحث عن معضلة هذا المفهوم في إطار الجدل المحتدم حالياً، حيث سوف نحاول في قطرة المداد التالية أن نفكك التطبيق في الشرق الأوسط بقدر من التفصيل، مع التركيز لاحقاً علي تطوره في الحالة المصرية .
---------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري