الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 25°C
رئيس التحرير مجدي شندي

قرابين ليست للرب

أصاب القحط وادي المكسيك في القرن الثاني بعد الميلاد، وشقق الجفاف حلوق خمس سنوات عجاف، قضتها قبائل الأزتيك في هم وكرب ودعاء. واعتقد أهل الوادي الجديب أن الإله غاضب عليهم، وأنه يحتاج لاسترضاء من نوع ما. فأشار الجنرال تلاكال على أخيه الملك مونتيزوما بفكرة لا تخطر لشيطان على بال. 

اقترح تلاكال أن يسترضى الملك الرب بدماء بشرية، ولا أدري إن كان الرجل أول من شرع هذا الفساد في الأرض، أم أنه كان يتبع سنة غبية توارثها أبناء قابيل (ورثة الدم والخطيئة) عبر الأجيال. الغريب أن الملك السفيه لم بجد غضاضة في الإنصات إلى ترهات أخيه، واتفق معه على شن حرب استعراضية على قبيلة مجاورة يعاني أهلها مثل الذي يعانون. 

وبعد اجتماع قصير، اتفق زعيما الأزتيك وتلاكسكالا على إشعال حرب مقدسة لا تسفك فيها الدماء في الميادين، بل تحفظ في قواريرها الآدمية حتى تهراق بين يدي إله دموي لا يرضي إلا بنخب حار من دماء عبيده. وفي حربهم ضروس اختلطت الأنفاس ورائحة العرق، وتدافع المتقاتلون باسم الحمق ليأسر بعضهم بعضا. وبعد كر وفر، تكومت القرابين على الجانبين، وشحذ عرابو القتل سيوفهم، ليجزوا بها الرؤوس التي ارتفعت عاليا قبل السقوط الأخير في مشهد مخجل في محراب نتن. 

وكعادة الرواة، الذين يكتبون التاريخ ليسبحوا باسم ملوكهم وينالوا الرضا والعطايا، نسي رواة الأزتيك أن يخبرونا بنتيجة فعلة كبرائهم المنكرة، وإن كان ربهم قد من عليهم من بعد الذبح بالعطاء، أم جزاهم بما يستحقون من ويل وثبور. لم يذكر لنا رواة الأزتيك كيف تحول الأحمر القاني في أرض الرب إلى سنابل خضراء وماء فرات.

ومات رواة الأزتيك، ولم يتركوا لنا شاهدا واحدا ممن بقي من الجند، أو رسالة خطها أحد المأسوف على دمائهم وهو يتقدم حثيثا نحو محرابه الدموي ليروي عطش الإله. لم يطفئ غلاة المؤرخين نهمنا برواية المشهد الأخير من حكاية كتب علينا أن نشهد دوما فصولها الأولى. ليتركوا لنا سنة غبية تكرس لدورنا الهمجي فوق أرض لا تكاد تجف من الدماء. 

يذكرني ما فعله الأزتيك ذات حمق، بما يفعله الغلاة من المتدينين في كل عصر، والذين يجمعون القرابين البشرية في صفوف منكسرة، لتقدمها عقولهم المريضة وأفكارهم المغلوطة، عن آلة جهنمية تسمى الإله لا تدور إلا بزيت آدمي فائر. 

ولو عدنا بالذاكرة للوراء قليلا أو كثيرا، وأدرنا عدسة الحقيقة فوق زوايا التاريخ المهملة، لوجدنا أن أكثر من سعر للحروب الدينية أناس لم يريدوا وجه الإله، وإنما حاولوا توطيد عروشهم وإشغال شعوبهم بأفكار لا ناقة للرب فيها ولا جمل. لم تكن حرب الأزتيك دينية أيها السادة، ولا الحروب الصليبية ولا الحرب الضروس التي استمرت عقودا بين الكاثوليك والبروتستانت ولا حروبنا المذهبية المقدسة بين السنة والشيعة. فالإله الذي يتحدث باسمه الجميع ويتقاتل باسمه الكل، إله رحيم ودود لطيف بالعباد في كل الشرائع والملل والأديان. 

مات تلاكال منذ تسعة عشر قرنا أو يزيد، لكنه لا زال حيا بيننا، يؤلب الجند ويشحذ السكاكين ويكتب تاريخا مؤسفا عن أقوام تركوا حرث الأرض واستنباتها، وتفرغوا لقتال بئيس يهلك الحرث والنسل، بحجة الدفاع عن إله لا يشرب نخبه إلا في أوان عظمية فارغة.
--------------------------
بقلم: عبد الرازق أحمد الشاعر
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:06
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
24.1°C
توقعات الساعات القادمة
24.1°C
23.6°C
22.7°C
21.7°C
21.0°C
20.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...