الأحد، 08 نوفمبر 2026 القاهرة 15.4°C
رئيس التحرير مجدي شندي
في ذكرى وفاته .. مفهوم الحضارة عند زكي نجيب محمود | الحضارة..... الإنسان

في ذكرى وفاته .. مفهوم الحضارة عند زكي نجيب محمود | الحضارة..... الإنسان

وإنما هو الإنسان......

هذه المقولة من أروع المقولات التي قرأتها وتعمقتها، هذه المقولة ذكرها شيخنا ومفكرنا الجليل الفيلسوف العربي زكي نجيب محمود، رد خلالها علي دعاوي العنصرية التي أطلقها بعض المستشرقين غير المنصفين، أحاديي النظرة، الذين يريدون أن يلحقوا كل تقدم حضاري ومدنية وثقافة وآداب وفنون، وعلوم نظرية وعملية، إلي جنسهم الذي أطلقوا عليه الجنس الآري الأوربي المتفتح، وما دونهم من شعوب هي شعوب سامية غير متفتحة ليس لديها القدرة علي الابتكار والإبداع.

هذه النظرة الضيقة من وجهة نظري إن دلت علي شئ فإنما تدل علي ضيق في آفاق التفكير عند من اعتنقها أو روج إليها من هؤلاء الغربيين الذين حركهم الحقد الدفين علي حضارات الشرق ولا سيما الحضارة الإسلامية التي بلغت من المجد مبلغه، خصوصا في القرن الرابع الهجري وازدهار الخلافة العباسية.

لكن لدينا سؤال مهم جدا، هل هناك حقا ما يسمي بالحضارات،الحضارات الشرقية القديمة (الحضارة المصرية،الحضارة الهندية،الحضارة الفارسية،الحضارة الفينيقية،البابلية، الآشورية،الصينية، الحضارة الإسلامية،الحضارية الغربية)، أم أن التقسيم الجغرافي والدراسات الانثربولوجية، ودراسات عادات وتقاليد وأعراف هذه البلدان وثقافات وعلوم هذه الأقطار والأمصار هي التي فرضت علينا هذه المسميات والتقسيمات؟!

الرأي عندي، وهذا رأيي ودلوي أدلي به ولا أفرضه علي أحد،بل يقبل النقاش ويقبل الصواب والخطأ.

أري أن هذه التقسيمات تقسيمات ضيزي فرضتها الطبيعة الجغرافية ، فما الذي يميز إنسان الشرق عن إنسان الغرب، ما الذي يتميز به العربي، عن الغربي

بقليل من التفكير ليس ثم تمايز بين الأجناس إلا بالعقل والفهم والاستبصار والإدراك، وكما قال الفيلسوف الفرنسي ديكارت، العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس، ولكن التفاوت بين زيد وعمرو في كيفية توظيف هذا العقل واستخدامه استخداما سليما يرقي ويرتقي بالإنسان بما هو كذلك.

إذن قضيتنا وشغلنا الشاغل هي الإنسان، فأنا وجد الإنسان وجدت الحضارة، ذلك المخلوق الذي حير الجميع، ذلك الكائن الحي المائت الذي يجمع بين المتناقضات الخير والشر، الحسن والقبح، الحب والكره، وتلك هي مقوماته ككيان وجودي

فليس ثم فرق بين إنسان الشرق وانسان الغرب، وإنما الفرق في طريقة التفكير والإبداع.

ومن هذا المنطلق ونحن أبناء القرن الحادي والعشرين، حقيق علينا ونحن في عصر الانفتاح الثقافي والفكري وثورة المعلومات وثورة الذكاء الاصطناعي، وثورة الرقمنة، وأن العالم بات قرية صغيرة تعج بالمتغيرات والأفكار التي لابد أن تناقش مناقشة جيدة علي طاولات المؤتمرات العالمية والإقليمية والمحلية، من أجل الخروج بهذا الإنسان الذي يستحق كل الخيرات، الخروج به من واقعه المأزوم، ومحاولة لملمة شتاته وتشتته وتفرقه.

من أجل ذلك لابد من تضافر كل الجهود سواء الجهود السياسية، وتوفير مناخ سياسي ملائم يمارس فيه الإنسان دوره السياسي بمنتهي الحرية دون قيود تقيده، وكذلك الجهود الإقتصادية التي تسعي لتوفير مصدر للدخل يتساوي فيه الجميع عن طريق عدالة التوزيع.

أيضا الجهود في المجال الديني عن طريق خطاب توعوي يهدف إلي الرقي بالإنسان ويبتعد به عن التطرف الديني والتطرف الفكري بعيدا عن التشدد والتعصب الأعمى الذي يقود إلي نشر خطاب الكراهية للآخر، ومن ثم يقود إلي الإرهاب الأعمي الذي يهلك الحرث والنسل، وينشر البغضاء والضغينة بين أفراد الوطن الواحد.

ولابد وحتما أن يعلم الجميع أن الفكر، أي فكر لا دين له ولاوطن، نسعي إلي الأفكار وتبادلها أنا كان مصدرها ومن قائلها، نحلل هذه الأفكار ونقوم بغربلتها، فبالحتمية المنطقية ليست كل الأفكار غثة وسيئة، وانما نأخذ ما يتوافق ونقبله ونطرح ما يتعارض معنا ومع قيمنا ومبادئنا.

دونما إساءة إلي الآخر بألفاظ نابية تجعل الآخر ينظر إليك نظرة ازدراء وكراهية، لأن هذا فكره، ناقشه وحاوره، أقنعه أو يقنعك، هكذا تكون المسألة، لكن لأن فكره ليس علي هواك، تكيل له الاتهامات وتلصق به التهم والتخوين والكفر.

أما في الجهود الفكرية، فثم اتجاهات ومذاهب كثيرة، وفلسفات مختلفة هدفها الرئيس الإهتمام بالإنسان ككيان انطولوجي، فهناك الإتجاه العلماني، الليبرالي، اليساري، الإشتراكي، الشيوعي، الماركسي، الإسلامي.

كذلك هناك الفكر الفلسفي السياسي، والإسلامي والحديث والمعاصر، ولكل فكر ائمته وفلاسفته، والقاسم المشترك بين الجميع هو الإهتمام بالإنسان بما هو إنسان، ومن هذا المنطلق لماذا لاتتضافر كل جهود هؤلاء من أجل الارتقاء بالإنسان الذي هو أصل وبناء الحضارة، الإنسان الذي لولا وجوده لما وجد الفكر ولما وجدت حضارة، تتضافر الجهود جميعا من أجل الوصول إلي حلول ترضي جميع الأطراف دونما إفراط أو تفريط.

حقا إنما الإنسان، فلا شرق ولا غرب.

فإذا ما وجد الإنسان وجدت الحضارة.
--------------------------
بقلم: د. عادل القليعي
أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:17
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
15.4°C
توقعات الساعات القادمة
15.4°C
15.2°C
16.2°C
18.5°C
20.6°C
21.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...