فنكوش الدراما المصرية
تقتحم الدراما كغيرها من المضامين الإعلامية البيوت دون استئذان مسبق، ويتجاوز تأثيرها في عديد الأحيان تأثير القوى العسكرية، والإستراتيجيات السياسية؛ ذلك كونها إحدى القوى الناعمة التي تمارس فاعليتها الوجدانية والذهنية في عقول وعواطف الجمهور، ومن ثم التأثير المتنامي على ما يتبنونه من اتجاهات، ومواقف، وسلوكيات متباينة؛ وفقًا لاختلاف المتغيرات الثقافية للجمهور الذي يتلقى المضامين، ويتفاعل مع محتواها، ويحاول تقليدها، بل والتقمص الوجداني مع المشاهير والمؤثرين.
وخلال الآونة الأخيرة؛ شهدت الدراما المصرية تخصيص مساحات واسعة من مشاهد العنف؛ بشتى أشكاله: الجسدي، واللفظي، والنفسي، والجنسي، ووصلت هذه المشاهد واللقطات المبتذلة للشارع المصري؛ الذي يشهد ارتفاعًا متناميًا ملحوظًا في معدلات الجرائم الغريبة على طبيعة المجتمع؛ لاسيما في ظل تراجع الدور القويم لبعض أجهزة التنشئة الاجتماعية؛ كالمدرسة، والمسجد/ الكنيسة، والنادي / مركز الشباب، التي من المفترض أن تمارس دورها التربوي في غرس القيم الأخلاقية، وتحقيق مقومات التكافل والتضامن الاجتماعي بين نسيج المجتمع؛ ذلك على نحو مواز من الاضطلاع بدورها التعليمي، أو الرياضي، أو الديني.
ويمكن لأي باحث علمي بسيط؛ مستخدمًا لأدوات تحليل المضمون، أن يرصد الكم الهائل لأفعال العنف، والبلطجة، التي نتجت عن التقليد الأعمى للمشاهد الدرامية، التي صارت فارغة من الرسائل التربوية القومية، أو المشاهد الحوارية الراقية القائمة على الأفكار الفلسفية، فضلًا عن الغياب التام للمسلسلات الدينية، والبرامج التثقيفية والتوعوية، وبرامج المسابقات الهادفة، وغيرها من القوالب الإعلامية التي تقدم المعلومة الصادقة، والنصيحة المثمرة، والحوار البناء، والرأي المستنير.
وقد شكلت هذه المشاهد ملمحًا رئيسًا في وجه المجتمع المصري، الذي صار مشوهًا؛ يعاني غياب الضمير الجمعي، والسلوك الحضاري، في ظل هيمنة معاني الأنانية، والانتهازية، والبلطجة، والضغينة، وغيرها من المفاهيم؛ التي لعبت المؤثرات السمعية والبصرية والسياقات الدرامية المفتعلة دورًا بارزًا في نقلها، وتصويرها بشكل تفصيلي غير مبرر، بل وإطلاق مسميات خادعة عليها؛ لبلوغ أقصى معدلات التحفيز النفسي والعاطفي للمشاهد؛ الذي بات مهيأً لقبول هذه الأفكار، وتبنيها، بل والمساهمة في ترويجها ونقلها للآخرين؛ لاسيما في ظل الغياب شبه التام للنماذج الإنسانية الناجحة، والمثل العليا التي يتبغي الاقتداء بها، لكنها تعاني التهميش المتعمد من صناع الدراما، أو القائمين على إدارة وتصميم الخرائط الإعلامية.
أحاول من خلال مقالي دق ناقوس الخطر؛ وأنا على يقين تام من وجود عشرات المقالات والموضوعات الصحفية التي تناولت ذات القضية، على نحو مواز من نشر العديد من البحوث العلمية التي تناولت الصورة الذهنية للدراما المصرية، وكيف بغت عليها مشاهد العنف والبلطجة؟، لكن يبقى السؤال قائمًا من المستفيد من خلو المواسم الرمضانية من أي مضمون هادف يقدم دروسًا تنويرية للمشاهد؛ الذي تم تشويه ذوقه عمدًا مع سبق الإصرار والترصد؟ ومن المستفيد من تسليع المرأة إعلانيًا والتجارة بجسدها دراميًا؟ ومن المستفيد من تصدير مشاهد السباب والضرب وشرب الخمر وارتكاب الفواحش كجزء رئيس من حياتنا اليومية؟!.
إن انفجرت القنبلة الموقوتة ، فإنها ستعصف بكل أجهزة المجتمع، بل سيتحول ممارسو الإعلام الرخيص والدراما المبتذلة لمشاهدين مكتوفي الأيدي، وهم يشاهدون مظاهر الاجتياح العارم للبلطجة الجماعية، حينها ستصبح الكرة في ملعب الأجهزة التأديبية والعقابية؛ لدرء المخاطر السافرة التي سيدفع أثمانها مواطنون أبرياء لا حول لهم ولا قوة.
-------------------------------
بقلم: د. رحاب عبدالمنعم
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري