الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 22.7°C
رئيس التحرير مجدي شندي
فنزويلا ونقطة التحول في ميزان القوة العالمي

فنزويلا ونقطة التحول في ميزان القوة العالمي

في فجر الثالث من يناير 2026، لم تكن فنزويلا وحدها أمام حدث استثنائي، بل كان العالم كله يقف أمام لحظة فارقة في تاريخ القوة والسيادة. ما جرى لم يُقدَّم باعتباره عملية عسكرية محدودة، بل كنموذج صادم يكشف كيف تغيّرت قواعد اللعبة، وكيف أصبح ميزان الردع التقليدي أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

الضجة الحقيقية لم تنطلق من تفاصيل العملية بقدر ما انطلقت من تصريح ديمتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس الروسي السابق، حين قال إن «الضمان الوحيد لحماية أي دولة بشكل موثوق هو امتلاك السلاح النووي». هذا الكلام لم يصدر عن محلل عابر أو سياسي متقاعد، بل عن أحد أبرز أركان السلطة في موسكو، وشخصية تُقرأ تصريحاتها عادة بوصفها مرآة للتفكير الاستراتيجي الروسي.

القضية هنا لا تتعلق بفنزويلا ولا بشخص الرئيس نيكولاس مادورو، بل بنموذج أوسع يقول إن الدولة غير النووية، مهما امتلكت من جيوش أو أنفقت من مليارات على السلاح، تظل مكشوفة أمام التفوق التكنولوجي الساحق. السيادة، كما يبدو، لم تعد مسألة حدود أو أعلام، بل مسألة قدرة على منع الآخر من الوصول إلى مركز القرار السياسي في أي لحظة.

ما يكشفه هذا المشهد هو طبيعة الحرب الحديثة. لم تعد المواجهة تدور فقط في السماء أو على الأرض، بل في الفضاء الإلكتروني وغرف التحكم والشبكات الكهربائية. إطفاء مدينة كاملة قد يحقق ما لا تحققه آلاف الغارات. تعطيل الاتصالات قد يشل دولة دون إطلاق رصاصة واحدة. في هذا السياق، تتحول البنية التحتية المدنية من عنصر حياة إلى نقطة ضعف استراتيجية.

الأثر الأعمق كان في سقوط فكرة «الحماية التقليدية». حين تفشل منظومات دفاع جوي متطورة، رُوّج لها على أنها قادرة على ردع أقوى الجيوش، فإن السؤال يصبح وجوديًا: هل ما اشترته الدول هو أمن حقيقي أم مجرد شعور مؤقت بالاطمئنان؟ هذه الضربة لا تصيب دولة واحدة، بل تهز ثقة عشرات الدول التي بنت أمنها القومي على هذه الفلسفة.

من هنا يمكن فهم حدة تصريح ميدفيديف. لم يكن تهديدًا بقدر ما كان اعترافًا مريرًا بأن العالم دخل مرحلة لا يُحترم فيها إلا من يملك الردع النهائي. الدول النووية، مهما كانت معزولة أو ضعيفة اقتصاديًا، تُحسب لها الحسابات. أما الدول غير النووية، فتقف في منطقة رمادية، عرضة للضغط والابتزاز وربما التدخل المباشر.

هذا المنطق يفتح بابًا بالغ الخطورة. دول كانت توازن بين التزاماتها الدولية وحسابات أمنها ستعيد التفكير. لماذا تلتزم بمعاهدات لا تحميها؟ ولماذا تثق بنظام دولي يكافئ من يمتلك القنبلة النووية ويتجاهل من لا يمتلكها؟

هل نحن أمام سباق تسلح نووي جديد؟ الاحتمال قائم، لكن المسار الآخر لا يقل خطورة: عالم يخضع فيه الضعفاء، ليس خوفًا من الحرب، بل يأسًا من الحماية. عالم تُدار فيه السياسة من الجو، وتُقاس فيه السيادة بمدى القدرة على الردع لا بعدالة القضية.

الخلاصة أن ما بعد يناير 2026 ليس كما قبله. نحن أمام عالم لا يُسأل فيه: من أنت؟ بل: ماذا تملك؟ وفي هذا العالم القاسي، يبدو أن امتلاك القوة القصوى بات لغة البقاء الوحيدة، حتى لو كان ثمنها عالمًا أكثر خوفًا وأقل أمانًا للجميع.
----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:05
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
22.7°C
توقعات الساعات القادمة
22.7°C
21.5°C
20.6°C
20.0°C
19.5°C
18.8°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر

أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...

الذبح لمن استطاع سبيلا

بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...

مهام البناء على المتاح

من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...

تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,120ج.م
عيار 21
6,230ج.م
عيار 18
5,340ج.م
الجنيه الذهب
49,840ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...