فضاء جديد في قلب لندن
لم يكن الإعلان عن برنامج البكالوريوس في اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة لندن حدثا أكاديميا عابرا يمضي في صحف الجامعة كما تمضي الأخبار الباهتة، بل كان - لمن يقرأ طبقاته العميقة - لحظة أشبه بفتح بوابة يتقابل عندها زمنان: زمن قديم صنعه الاستشراق بنظراته المائلة، وزمن جديد يتشكل فيه حضور المعرفة الإسلامية بمعايير أكثر عدلا وإنصافا. فمنذ القرون الأولى التي كان فيها المستشرق يقترب من العربية كمن يقرأ نقشا غريبا على صفحة حجر، ويرى الإسلام بعين مرتبكة تمزج بين الفضول والتحفظ، ظل الشرق في الوعي الأوروبي صورة تدرس من بعيد، ولا يسمح لها أن تنطق بلغتها. كانت العربية آنذاك تفك بأدوات التحليل البارد، لا تستمع بوصفها لحنا حيا، وكان الإسلام موضوعا للتشريح العلمي، لا حوارا روحيا وحضاريا. غير أن الزمن، حين يمر على ضفاف المعرفة، قادر على أن يعيد تشكيل المشهد بأناة ورهافة. وهكذا وقفت جامعة لندن، بكل إرثها الإمبراطوري وعمقها الفكري، لتقدم برنامجا لا يعامل العربية كما تدرس اللغات الميتة، ولا يتناول الإسلام كصفحة من صفحات تاريخ الأديان المقارنة، بل يفتح لهما باب الحضور الحي، حضور لغة تشتعل في أفئدة أهلها، وحضور دين عاش في قلوب أمم ممتدة من مكة إلى الأندلس، ومن بغداد إلى حواضر الشرق وإفريقيا وآسيا. كانت القاعات التي عرفت لعقود دروس الفلسفة الأوروبية والإغريقية تضاء اليوم بنور جديد، نور يصنعه التقاء الغرب بالشرق في مجلس واحد. فالطالب الإنجليزي الذي لم يعرف من العربية إلا صدى أصوات يعبر نشرات الأخبار، جلس إلى جانب الطالب القادم من الرباط أو القاهرة أو بغداد، يحمل معه رائحة الورق العتيق من مكتبات مدينته، وصوت المآذن التي أهلت على طفولته. جلسا أمام النص ذاته، وتحاورا حول الكلمة نفسها، حتى بدا وكأن النص يختبر قلوبا متعددة اللغات ليجمعها في طيه، وكأن الحرف العربي وجد أخيرا فضاء يتيح له أن يتنفس على مهل.
ولم يعد الإسلام داخل تلك القاعات هو المشهد ذاته الذي رسمته قرون الاستشراق، لم يعد موضوعا محايدا تسلط عليه مقاييس الفحص البارد، بل صار تجربة حية تنبض في العقول والقلوب. تفتح نصوصه كما تفتح الشرفات على نسيم طري، وتتلى آياته فتعم القاعة رهبة لم تكن مألوفة في جامعات الغرب. كان القرآن، حين يعلو صوته بين جدران بريطانية، يختبر ذاكرة المكان، ويعيد للغة العربية دفأها المفقود عبر المسافات.
أما الأساتذة، ورثة مدارس فكرية ممتدة، فقد وجدوا أنفسهم أمام نص يرفض أن يقرأ إلا في ضوء حضوره الحقيقي لا في ظلال الصور القديمة. اكتشفوا أن الإسلام ليس شريعة وفقها وتاريخا فحسب، بل رؤية وجودية شاسعة، تتداخل فيها الروح بالفكر، والفن بالحكمة، والفلسفة بالمعنى. وفهموا أن العربية ليست أصواتا فحسب، بل نسيجا من المعاني تتعانق فيه البلاغة مع الشعر، والفقه مع الفلسفة، والتجربة الروحية مع التأمل الإنساني. وكان أثر البرنامج على الطلاب الغربيين أشبه بفتح نافذة على عالم لا نهاية لأفقه. دخلوا القاعة يظنون أنهم بصدد دراسة تاريخ الإسلام، فإذا بهم يكتشفون دينا لا يزال حيا، تقرأ نصوصه كل يوم، وتتحرك حروفه في أفواه الملايين. دهشوا حين علموا أن ملايين الأطفال في الشرق يحفظون القرآن كاملا، وأن العربية ليست لغة متحفية، بل لغة صنعت للبقاء.
أما أبناء الجيل المسلم المولود في الغرب، فوجدوا في البرنامج مرآة تستعيد لهم ملامح هويتهم التي غيبتها ضوضاء الحياة الغربية. كانوا يدخلون القاعة مثقلين بترسبات النظرة السائدة إلى الإسلام، ويخرجون وقد انقشع كثير مما علق بصورة دينهم، لأنهم رأوه يدرس بميزان علمي لا يصدر أحكاما مسبقة، بل يعيد للإنسان مكانته قبل أن يقرأ أو يحكم.
وبين كل هؤلاء، كان يتشكل عالم ثالث، عالم لا يشبه الشرق تماما ولا يطابق الغرب تماما، بل يتخذ من الاثنين مرافئه. عالم تجلس فيه طالبة من أكسفورد إلى جوار شاب من كراتشي، وشاب من الدار البيضاء إلى جوار شابة من إدنبرة، يناقشون معنى الرحمة في آية، أو بنية بيت من الشعر الجاهلي، أو أثر المتصوفة في تشكيل الفلسفة الإسلامية. كانت الحوارات بين هؤلاء أشبه بمصافحة رقيقة بين حضارتين، ينصتان إلى بعضهما بلا تحفظ ولا استعلاء.
ومع مرور السنوات، أصبح البرنامج شاهدا على تحول عميق في الوعي البريطاني: تحول من العقلية الاستشراقية التي تنظر إلى الشرق من مسافة، إلى عقلية ترى في العربية والإسلام مكونا أصيلا من مكونات المعرفة الإنسانية. صار الإسلام جزءا من النقاش الفكري في بريطانيا، وصارت العربية لغة تدرس وتتذوق وتعاش، لا لغة تقرأ في الهوامش.
وهكذا نشأ في قلب لندن فضاء جديد، كأن المدينة ـ بما تحمله من كنائس ومتاحف وطبقات تاريخية ـ قررت أن تمنح الشرق مقعدا في مجلسها الثقافي. فضاء لا تمحى فيه الهويات، بل تتجاور، ولا تلغى فيه الاختلافات، بل تفهم. هناك، بين جدران الجامعة، استعادت العربية أنفاسها، واستعاد الإسلام حضوره المعرفي الهادئ، ليؤسسا معا أفقا علميا جديدا، يليق بمدينة عرفت قدرتها الدائمة على تجديد ذاتها بلا انقطاع، وبذكاء حضاري لا يخون تاريخه.
----------------------------
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
* داعية إسلامي وكاتب بنغالي
المراجع:
تاريخ الدراسات الشرقية في أوروبا - أنور عبد الملك
مناهج المستشرقين في دراسة اللغة العربية - د. عبد الحميد زايد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية
صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري