غزة وأوكرانيا وإيران: 3 حروب عرّت الغرب
لم تكن الحروب الثلاث مجرد أزمات متفرقة جرت في جغرافيات متباعدة، بل بدت كأنها امتحانات متلاحقة سقط فيها الغرب على نحو مختلف في كل مرة. في واحدة سقط أخلاقيًا، وفي أخرى استراتيجيًا، وفي الثالثة سياسيًا.
والنتيجة أن ما جرى لم يكن انكشاف جبهات، بل انكشاف منظومة كاملة؛ صورة قوة ظلت لعقود تجمع بين السلاح والشرعية، بين النفوذ والهيمنة، ثم بدأت عناصرها تتفكك أمام العالم.
الحرب على غزة لم تكن اختبارًا لموازين القوة بقدر ما كانت اختبارًا لصورة الغرب التي يروجها عن نفسه. فوق أنقاض غزة انكشف التناقض بين خطاب رُفع طويلًا باعتباره مرجعية إنسانية كونية، وبين ممارسة أعادت تعريف الإنسان نفسه وفق موقعه من السياسة والتحالف.
حين تعلق الأمر بأوكرانيا صار الاحتلال جريمة مطلقة، والسيادة قيمة مقدسة، والضحايا قضية عالمية. وحين تعلق الأمر بالفلسطينيين، أصبح القانون نفسه قابلًا للتأويل، وتحولت المجازر إلى مادة قابلة للتبرير. لم تسقط غزة عسكريًا فقط، بل أسقطت معها آخر ستار أخلاقي تستر به الغرب طويلًا وهو يعظ العالم.
ثم جاءت الحرب على أوكرانيا لتكشف أن أزمة الغرب لا تقف عند القيم. الحرب هناك لم تكشف مأزق كييف أو مأزق موسكو، وحدهما، بل كشفت هشاشة الاتحاد الأوروبي نفسه كقوة استراتيجية مستقلة.
أوروبا التي تحدثت طويلًا عن الاستقلال وعن دور دولي مستقل، وجدت نفسها عاجزة عن حماية جوارها المباشر دون تدخل ومعونة أمريكية. لم تستطع أن تكون وسيطًا، ولا ضامنًا، ولا حتى صاحب قرار كامل في حرب مشتعلة على تخومها.
أشد من كشف هذا الضعف الأوروبي هو ترامب الذي من يوم انتخابه حتى الأمس القريب لم يقصر في الحديث علانية عن أن الحليف الأوروبي، مهما ارتفع صوته، ما يزال محتاجًا إلى المظلة الأمريكية أكثر مما تحتاجه واشنطن، فتعامل معه باعتباره تابعًا استراتيجيًا لا شريكًا ندّيًا.
أدرك بعقله التجاري الفج أن القارة التي تتكلم كثيرًا لا تستطيع أن تدافع عن نفسها حين يقترب الخطر من حدودها. لذلك تعامل مع قادتها باستخفاف ظاهر؛ لا باعتبارهم حلفاء متكافئين، بل شركاء تابعين، يحتاجون الحماية الأمريكية أكثر مما تحتاجهم واشنطن.
ثم جاءت ورطته الكبرى في المواجهة مع إيران.
هناك وجد نفسه داخل الاختبار ذاته الذي وضع فيه أوروبا: اختبار القدرة الفعلية لا القدرة المعلنة. والمفارقة أنه احتاج في تلك اللحظة إلى كثير من الحلفاء الذين سخر من عجزهم بالأمس.
في المواجهة مع إيران بدا الخطاب الأمريكي صاخبًا إلى حد التهديد بإعادة رسم المنطقة وإسقاط النظام، لكن التنفيذ اصطدم بحسابات أكثر قسوة.
هزمته إرادة القتال والقدرة على المواجهة، وهزمته الجغرافيا التي كثيرًا ما تلعب مع أصحابها. فإيران ليست ساحة معزولة، بل عقدة طاقة، وممرات بحرية، وشبكات نفوذ، وأي خطوة ضدها تحمل احتمالات توسع تتجاوز ساحة الاشتباك.
هنا ظهر أن واشنطن، رغم تفوقها العسكري، ليست حرة تمامًا في استخدام قوتها. وأن القوة العظمى نفسها محكومة بتكلفة الحرب، وأسعار الطاقة، وضغط الداخل، وتوازنات الحلفاء. لم تعد المسألة من يملك السلاح الأكبر، بل من يستطيع استخدامه دون أن يشعل الحريق في النظام الذي يقوده.
وهنا بالتحديد استفادت الصين.
لم تحتج بكين إلى صدام مباشر كي تكسب. يكفيها أن ترى خصمها وقد انكشف.
غزة كشفت زيف الخطاب، وأوكرانيا كشفت ضعف أوروبا، وإيران كشفت أن واشنطن نفسها لا تستطيع دائمًا تحويل التهديد إلى قرار.
وهذا هو التحول الحقيقي في ميزان القوة: ليس أن الصين أصبحت أقوى فجأة، بل أن الغرب بدا أقل إقناعًا، وأقل قدرة، وأقل مصداقية في آن واحد.
هكذا تكاملت الصورة.
غزة عرّت الزيف، وأوكرانيا كشفت الضعف، وإيران أظهرت سقف القوة. ثلاث حروب، وثلاث جغرافيات، لكنها التقت عند حقيقة واحدة: الغرب لم يسقط لأنه هُزم في معركة واحدة، بل لأنه انكشف في امتحانات متتابعة، أمام خصومه وأمام صورته التي صنعها عن نفسه.
وحين تنكشف القوة في أخلاقها، وحلفائها، وقدرتها على الفعل، يبدأ العالم ـ بصمت ـ في البحث عن مركز آخر.
--------------------
بقلم: محمد حماد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس
أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري