الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 22.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي

غرور حـواء

يقول الكاتب الفلسطينى وليد الشُرفا في روايته وارث الشواهد (إن الثغور التى يحفرها الحزن والألم في النفس لا تعود للامتلاء عند زوال أسباب هذا الحزن ونعود للفرح). تفسر هذه الكلمات لماذا تتحول النفس إلى غربال يملؤه الزمن بثقوب الألم، يتبارى في نقشها عشاق الأذى الممتنين بانكسار الآخرين، ينقشون حروفهم الأولى إلى يمين إبداعات ثقوبهم، فلما كَثُرَت مَلّوا الكتابة وتفرغوا لمزيد من الثقوب.

قال المتنبى (فَصِرْتُ إذا أصابَتْني سِهامٌ.. تكَسّرَتِ النّصالُ على النّصالِ) أى أسى وأى معاناة تحملها شاعرنا الأعظم وعبر عنها ببيان جامع مانع، وإن قَتله بيانه حين قال (الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم). ذلك أن لصوصاً هاجموا قافلة كان فيها، فحاول الهرب طلباً للنجاة، فهتف به ابنه، وكان ممن ثبتوا في وجه اللصوص، قائلاً: ألست القائل، ثم ذكر البيت. فما كان من المتنبى إلا أن لوى عنق فرسه وراح يقاتل قُطاع الطرق حتى قُتل، فعُرف بالبيت الذى قتل صاحبه.

وإذا كان هناك من الشعر ما قتل صاحبه فهناك أيضا من الحب ما قتل، يُروى أن الأصمعى، أحد علماء اللغة في القرن الثامن، قرأ البيت التالى على أحد الجدران، (أيا معشر العشّاق بالله خبروا ... إذا حلّ عشقٌ بالفتى كيف يصنعُ)، فما كان منه إلا أن زاد بيتا، فما جاء اليوم التالى إلا ووجد رداً بشعر، وهكذا حتى كتب في اليوم الثالث (إذا لم يجد الفتى صبرًا لكتمان أمره ... فليس له شيء سوى الموت ينفعُ)، فما جاء اليوم الرابع إلا وشاب مقتول إلى جوار الجدار وقد كتب (سمعنا أطعنا ثم متنا فبلّغوا ... سلامي إلى من كان للوصل يمنع).

وسواء أكان الشعر أو الحب سبباً للموت فالنهاية واحدة، يقول ابن نباته السعدى، (ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب والداء واحد)، وقد رُوىَ البيت باستبدال كلمة (الداء) بـ (الموت)، وسواء هذه أو تلك، فقد أصاب واستحق وصل سيف الدولة الحمدانى، وكان أميراً على شمال سوريا وأجزاء من غرب الجزيرة العربية، وأن يكون أحد ناصحيه والمقربين منه.

حرص سيف الدولة على جمع الشعراء حوله فعاش المتنبى في كنفه تسع سنين وكذلك ابن عمه أبو فراس الحمدانى، الفارس والشاعر الفذ. على إثر مواجهات متكررة بين الروم وجند سيف الدولة أُسر أبو فراس لنحو ثلاث سنوات ألف فيها ديوانه الروميات من نحو خمس وأربعين قصيدة عبر فيها عن أحواله جميعا، فارس شاعر أسير وعاشق، ولعل أشهرها قصيدته أراك عصى الدمع، والتى تعتمد على نمط الحوار الذى تميز به شعره، في أحد هذه الحوارات يصف تعجب محبوبته من صبره وسيطرته على نفسه، فلا يذرف دمعه، ولا يبوح بسر، يملأه عز وكبرياء:(أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ.. أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟ ،، بلى أنـا مشــتاقٌ وعنديَ لــوعة .. ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ!).

على الرغم من الحوار السهل الممتنع الرائع الممتد في فضاءات القصيدة، بينه وبين محبوبته، إلا أنها لا تتورع أن تُنكِره إنكاراً فيه استعلاء وغرور، متجاهلة ما بينهما من ود، ومع هذا يسايرها ويُرضى غرورها مُجيباً (قتيلك)، فيزيدها رده كِبراً ونكراناً ،، (تساءلني:"منْ أنتَ؟"، وهي عليمةٌ ... وَهَلْ بِفَتى مِثْلي عَلى حَالِهِ نُكرُ؟،، فقلتُ، كما شاءتْ، وشاءَ لها الهوى ...آ  قَتِيلُكِ! قالَتْ: أيّهُمْ؟ فهُمُ كُثرُ). يا إلهى، أى غرور هذا الذى جُبلت عليه حواء.

------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:17
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
22.8°C
توقعات الساعات القادمة
22.8°C
24.4°C
25.7°C
26.8°C
27.1°C
27.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

الذبح لمن استطاع سبيلا

بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...