الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 27.2°C
رئيس التحرير مجدي شندي
عطفة المحبة (٤) | عطيات.. رحلة امرأة أنهكتها الحياة ثم فازت بالبقيع

عطفة المحبة (٤) | عطيات.. رحلة امرأة أنهكتها الحياة ثم فازت بالبقيع

طفل يقف على أطراف قدميه أمام الباب المغلق، عيناه معلّقتان بقطعة ملابس سقطت في عتمة المنور، ويداه تتردّدان في الطرق، وقلبه يخفق خوفًا من أن يُفتح الباب وتخرج منه «عطيات»، كان يعرف، كما يعرف أطفال العطفة جميعًا، أن استرداد تلك القطعة قد يكلّفه عتابًا قاسيًا وصوتًا جليًّا يملأ المكان. ظلّ يرقب الخاطر من بعيد، حائرًا بين خوفه وحاجته، حتى حسم أمره وانصرف دون أن يطرق الباب.

كنت حينها طفلة، وأنا أرقب هذا المشهد وأشاركهم الخوف ذاته؛ فقد كانت عطيات بالنسبة لنا تتلخص في صوتها العالي وطباعها الحادة التي تجعل الجميع يتحاشى ملامستها، لكنني عندما كبرت واسترجعت شريط تلك الأيام، أدركت أننا لم نكن نرى سوى القشرة الصلبة التي حمت بها ضعفها، لم نكن نفهم أن خلف ذلك الصوت الجهوري امرأة أنهك الشلل جسدها، وحمّلتها الحياة بيتًا كاملًا بستة أبناء وزوج بسيط، فلم تجد أملًا في البقاء إلا أن تقاوم قسوة العالم بالطريقة الوحيدة التي تعرفها: أن تكون أكثر قسوة منه.

كانت عطيات ابنة أم سلامة الكبرى، وأمًا لستة أبناء؛ ثلاث بنات وثلاثة أولاد، أصابها شلل الأطفال وهي طفلة، وترك أثره في إحدى ساقيها، فكانت تمشي مرتكزة على قدمها الأخرى.

ومع ذلك، لم تتوقف الحياة لتراعي إعاقتها.

كان زوجها يعمل ساعيًا في إحدى المصالح الحكومية، وإلى جانب عمله كان يستلم حصة من الجرائد والمجلات، ويجلس بها على فرشة صغيرة اختار لها موقعًا مميزًا، حيث كان يجلس عند تقاطع شارع محمد علي وشارع المغربلين، بما لهما من مكان يختزل عبقرية القاهرة التاريخية.

فلم يكن اختيار هذا التقاطع عفوًا، بل اقتناصًا لقلب المدينة النابض بالناس والحكايات؛ فأن تضع «فرشة جرائد» حيث يلتقي التراث بالفن، يعني أن تبيع الكلمة لعابرين يحملون معهم صخب القاهرة وأصالتها. هناك، بين زحام المغربلين وحركة شارع محمد علي، كانت تلك الفرشة الصغيرة بمثابة شرفة تطل منها الأسرة على العالم، ومصدر رزق يطعم الأبناء ويكسر مرارة الحياة بالتعب والكرامة.

عندها كانت عطيات تتولى الفرشة.. تجلس أمام الجرائد، تبيعها للمارة، ويساعدها أبناؤها في ترتيبها وحملها، وتوزيع عدد منها على الزبائن في أماكنهم. لم تكن فرشة الجرائد مجرد وسيلة لكسب المال، بل كانت جزءًا من حياة الأسرة كلها، ومكانًا تعلّم فيه الأبناء مبكرًا أن البيت لا يقوم إلا بسواعد أهله.

كانت الإمكانيات قليلة، والمسؤوليات كثيرة، والغرفة التي يعيشون فيها ضيقة، لكنها كانت تضم أحلامًا كبيرة لستة أبناء.

وفي مثل هذه الظروف، قد يصبح الإنسان أكثر قسوة مما يريد.

ربما كانت عطيات حادة لأن الحياة كانت حادة معها، وربما كان صوتها العالي يخفي خوفًا دائمًا من الغد، ومن المرض، ومن احتياجات الأبناء، ومن أن تعجز عن توفير ما يحتاجونه.

لا أقول ذلك تبريرًا لقسوتها، وإنما محاولة لفهمها.

فقد كنا نرى حدة طباعها، ولم نكن نرى حجم الحمل الذي تحمله.

بعد وفاة زوجها في سن مبكرة، دون سابق إنذار أو مرض، أو لعل كان يسكنه المرض، لكنه لم يكن لديه رفاهية الانتباه إليه أو البحث عن أسبابه وعلاجه، فقد رحل في صباح يوم شتوي، في هدوء وصمت، وكانت أيضًا مراسم الدفن والعزاء صامتة، لتعود بعد ذلك الأسرة إلى معركتها مع الحياة.

وهنا اقتسمت عطيات مسؤولية البيت مع ابنتها الكبرى، التي خرجت من رحم هذه المعاناة، وحملت بعد أمها المسؤولية نفسها.

كانت الابنة الكبرى قد تعلمت، واجتهدت حتى أصبحت مهندسة، ثم حصلت على عقد عمل في إحدى دول الخليج. كان من الطبيعي أن ترى في السفر فرصة لبناء حياتها ومساعدة أسرتها.

وسافرت بالفعل، وعاشت في الخليج بضع سنوات.

لكنها لم تنسَ البيت الذي جاءت منه، كانت تعمل وتدخر، وتساعد أمها وإخوتها، وتجهز نفسها للزواج، وفي الوقت نفسه تحمل همّ الأسرة معها أينما ذهبت.

وحين عادت، تزوجت من مهندس كان جارًا لهم في الشارع.

كان يمكن أن تبدأ حياتها الجديدة وتغلق بابًا خلفها، كما يحدث عادة حين تتزوج البنت وتنتقل إلى بيت زوجها، لكنها لم تفعل، بل أغلقت باب منزل الزوجية، وظلت لسنوات تسكن هي وزوجها، وبعد ذلك طفلاها، الغرفة نفسها التي كانت تعيش فيها أمها، وسط إخوتها، حتى لا يتفرقوا، وحتى تظل الأسرة مجتمعة تحت سقف واحد.

كانت تعرف أن الحياة إذا بدأت في تفريقهم، فلن يكون من السهل أن يجتمعوا مرة أخرى.

وهنا أرى أن الابنة لم تكن قد ورثت من أمها الكفاح فقط، بل ورثت منها أيضًا إحساس المسؤولية.

عطيات كانت تحاول أن تحمي بيتها من الحاجة، وابنتها الكبرى كانت تحاول أن تحمي البيت من التشتت.

كانت قد أصبحت مهندسة وزوجة، وكان من حقها أن تعيش حياتها، لكنها اختارت أن تؤجل جزءًا من راحتها حتى تطمئن إلى إخوتها.

ولسنوات، كانت الغرفة الصغيرة التي احتوت أمها وأبناءها من قبل، تحتضن الابنة الكبرى وإخوتها وأبناءها أيضًا.

كأن المكان نفسه كان يعيد الحكاية.

الأم حملت أبناءها...

ثم حملت الابنة إخوتها.

وربما كان أجمل ما استطاعت الابنة أن تفعله لأمها أنها حققت لها أمنيتها الغالية: الحج.

بعد سنوات الكفاح والعمل وفرشة الجرائد ومشقة تربية الأبناء، سافرت عطيات إلى الأراضي المقدسة لأداء الفريضة، أثناء عمل ابنتها هناك، حيث صحبتها في رحلة الحج.

وبعد انتهاء المناسك، مرضت عطيات ودخلت المستشفى.

ثم رحلت.

لم تعد إلى البيت الذي عاشت فيه عمرها، ولم تعد إلى شارع محمد علي، ولا إلى فرشة الجرائد التي شهدت سنوات كفاحها.

كان قدرها أن تُدفن في البقيع.

وحين أتذكر هذه النهاية، أشعر أن في قصة عطيات لمسة تعويض لا تخطئها العين.

لا يستطيع أحد أن يجزم بما عند الله، لكننا نستطيع أن ندعو لها ونرجو أن تكون تلك النهاية حسن خاتمة ورحمة وتعويضًا عن عمر طويل من التعب.

امرأة أثقل المرض جسدها، وأثقلت المسؤولية روحها، وعاشت سنواتها وهي تفكر في أبنائها قبل نفسها، كان آخر سفر لها إلى الأراضي المقدسة.

ذهبت للحج، ثم كان البقيع مثواها.

وكأن رحلة الشقاء الطويلة انتهت أخيرًا في مكان لا يشبه كل الأماكن التي عاشت فيها.

وما بقي من عطيات بعد رحيلها، .. استمرت الحياة في اختبار أبنائها.

تزوجوا، وتفرقوا تدريجيًا، ورحل الابن الأكبر وهو في نحو الأربعين، تاركًا طفلة صغيرة، ثم رحل شقيقه الأوسط في عمر قريب. ورحلت ابنتها الصغرى في سن مبكرة بعد مرض في الرئة.

لكن شيئًا من عطيات ظل حاضرًا في أسرتها: الصبر، والقدرة على الاحتمال، والموت في هدوء، وربما حتى بعض حدة الطباع التي اكتسبوها من سنوات الحياة الصعبة.

أما ابنتها الكبرى، فقد ظلت الصورة الأوضح لإرث أمها.

امرأة تعلمت أن النجاح ليس في أن تنجو وحدك، وإنما أن تأخذ معك من تستطيع.

نجحت في تعليمها، وأصبحت مهندسة، وسافرت، وعملت، وتزوجت، وكان يمكن أن تنصرف إلى حياتها الخاصة، لكنها بقيت سنوات إلى جوار إخوتها حتى لا تفرقهم الأيام.

أما أنا، فقد بقيت أتذكر عطيات في البداية كما عرفتها طفلة: امرأة أخاف صوتها ووحدتها.

لكنني الآن، كلما عدت إلى حكايتها، أرى شيئًا آخر.

أرى أمًا أرهقها الجسد والحياة، وابنة قررت ألا تترك إخوتها للقدر.

وأرى في نهاية الرحلة امرأة غادرت عطفة المحبة، وذهبت إلى الحج، ثم استراحت في البقيع.

ربما لم تكن الحياة رحيمة بعطيات في بدايتها، لكنها منحتها في آخر الطريق خاتمة نتمنى أن تكون رحمة وتعويضًا جميلًا عن كل ما تحملته.
----------------------------
بقلم: سحر الببلاوي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة06:53
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
27.2°C
توقعات الساعات القادمة
27.2°C
26.3°C
25.5°C
24.8°C
24.1°C
23.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟

إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة

السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,028ج.م
عيار 21
6,150ج.م
عيار 18
5,271ج.م
الجنيه الذهب
49,200ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...