الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 19.7°C
رئيس التحرير مجدي شندي
عبد الناصر

عبد الناصر

من كان منكم بلا خطيئة فليرمه بحجر.. هكذا كان تعليقي على المناقشات التى دارت حول الزعيم ناصر بعد خمسين عاما من وفاته، وهذه وحدها دليل على عمق أثره على الشعب المصرى، ممن عاصره ومن لم يعاصره وهو يرى المجادلات بين شيطنته وتقديسه، وكلاهما لا ينفع فى عالم السياسة، فهى صلة تحكمها المصلحةبسؤال بسيط هل أفاد شعبه؟ هل غير من حياته؟ هل أنصف البسطاء والمهمشين؟ هل انحاز إلى الأغلبية.. هل لبى حاجاتهم الأساسية فى ظل الظروف المتاحة والزمن الذى حكم فيه؟ هل مال ميزان إنجازاته أمام أخطائه، أم تساوت الكفتان وغفرت له؟

أسئلة لابد أن تكون قد مرت على بال غير المتخصصين، عندما يقيمون فترة حكم ما بعيدا عن النظريات السياسية المتقعرة، فالإنسان العادى يحكم على السياسي من خلال حياته اليومية. هل تحقق فيها ما يريحه ويعطيه الأمل فى غد أفضل له ولأولاده؟ هل وفر له الحاكم عملا بظروف كريمة؟ هل حريته مصانة وكرامته محفوظة؟ هل يعيش آمنا أم مرتجفا فى مجتمع الخوف.. يخشى أن تفلت منه كلمة  تلقيه وراء الشمس، لغياب القانون الذى يُعطى إِجازةً فى عصور الظلام. 

إجابة تلك الأسئلة هى التى تحكم على الحكام، والسؤال المعضلة: هل الأمان الاقتصادي والاجتماعي يعوض الحرية والكرامة؟

 ومع ذلك، أتصور أن أعظم إنجاز لناصر، أنه أعطى أملا للبسطاء في أن يرتقوا اجتماعيا واقتصاديا عن طريق التعليم، كوسيلة وحيدة للتمرد على ظروف النشأة. بأن تصبح شيئا مختلفا وأفضل مما وضعتك فيه الأقدار.. فالفقر لا يجب أن يكون قدرا، ولا الجهل ولا الظلم، وكما قال الزعيم محمد فريد أن الجهلاء لايستطيعون أن يطالبوا بحقوقهم، ومن ثم تم تأصيل الجهل فىى الدول الديكتاتورية، حتى يظل الشعب أسيرا خاضعا خانعا خائفا.. فالعلم والتعليم وكل روافد الثقافة تجلى العقول وتفتح مسام المعرفة، وتحفزك على التغيير وتشجعك على المطالبة بحقوقك وطرق الحصول عليه وهذا ما لن يسمح به أى نظام قمعى ديكتاتوري.    

فهل أصَّلَ عبد الناصر للجهل حتى يسيطر على الناس ويؤمن حكمه، أم جعل حق التعليم كالماء والهواء وأعلى من قيمة العلم والثقافة والفنون، ولولا تلك الفرص التى اتيحت للجميع لظلت شخصيات عرفت بنبوغها، أسيرة ظروفها الاقتصادية وضحايا لأوضاع لا يد لهم فيها  وإحساس بالقهر والظلم الاجتماعى يلازمهم جيلا وراء جيل!  

ذلك هو الظلم البين الذى أنقذهم منهم ناصر... خاصة العمال والفلاحين، فكرهوه وحاربوه من أجل ذلك حتى اليوم. 

لن أتكلم عن الصرح الصناعى الذى أقيم وتم بيعه فى عصور لاحقة، لنقع فى فخ الحاجة لسؤال اللئيم، حتى جاءت الجائحة لتوقف الاستيراد، وتثبت أن الدول التى أمنت غذاءها واحتياجاتها الصناعية كانت الفئة الناجية، بينما الأخرى وقفت على حافة المجاعات! حتى المشروعات الكبرى التى تم التشكيك فى جدواها كالسد العالي أثبتت الايام أنها أنقذتنا من الجفاف والفيضانات الكبرى على حد سواء! 

إذن لم يكن خياليا عندما قالها بصراحة إن من يملك قوته يملك قراره.. فكم من الدول العربية اليوم رغم ثرائها تملك قرارها؟ لإغفالها إنشاء صناعة وطنية وتنمية حقيقية واعتمادها كليا على الاستيراد، وهو ما تنبه له ناصر من خمسين عاما؟   

كل ماسبق لايعني أنه كان بلا أخطاء.. لأن الإنجازات الكبرى عامة ما ترادفها الأخطاء الكبرى. 

أما محاولة اقناعنا بفكرة الديكتاتور العادل.. مع أنها جملة متعارضة، فالعدل لا يستقيم مع الطغيان، وأكذوبة أن الزعيم هو الأب الذي إن مات تيتمت الشعوب. لا..  هو حاكم يمضي مدته ويترك غيره يكمل المسيرة، حتي لايتحول إلى إله لا يحاسب فتكون النتيجة هى هزيمة الدولة!

أتصور أن تلك كانت خطيئة ناصر الكبرى، فلو سمح بالتعددية والديموقراطية.. لما ترك عامر يرتاح على كرسى الدفاع، ويرتخى ويتسبب في الهزيمة؟ لو كانت هناك مجالس نيابية وتشريعية لنبهوا للخطر قبل أن يحدث.. لو لم يسمح لدولة المخابرات أن تستبيح الشعب وتفرض عليه الصمت خوفا وفزعا لربما بعدنا عن الهزيمة التى كشفت عورات سياسة الصوت وصداه!

وكلمة أخيرة.. الزعيم الذى بكاه الملايين فى مصر والعالم العربى وإفريقيا دون توجيه من أحد، ولكن حبا وعرفانا بالجميل، أنجز ما لم ينجزه أحد آخر حتى الآن،  وذلك يفسر ظهور صوره فى الثورات وفى المطالبات الاجتماعية، كأيقونة للعدل الاجتماعى، لذلك عندما تتذكرونه، ضعوه على ميزان الضمير دون محاسبته على من خلفوه.. فلقد رحل الرجل منذ خمسين عاما! 
---------------------------
بقلم: وفاء الشيشيني

 

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:12
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
19.7°C
توقعات الساعات القادمة
19.7°C
19.4°C
19.1°C
18.4°C
17.7°C
17.1°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس

أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,074ج.م
عيار 21
6,190ج.م
عيار 18
5,306ج.م
الجنيه الذهب
49,520ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...