عالم بلا حراس | سقوط أصنام النظام القديم ومخاض العصر الجديد
لم يعد الحديث عن "نهاية العالم القديم" ترفاً فكرياً أو تنظيراً حبيس الصالونات السياسية، بل واقعاً جيوسياسياً يُكتب كل يوم بالتحالفات المتمردة، وصراع الإرادات على الساحة الدولية.
إننا نقف اليوم شهوداً على لحظة تاريخية فارقة ؛ لحظة تتهاوى فيها الهياكل الأممية التي أفرزتها نتائج الحرب العالمية الثانية، لتكشف عن هشاشتها وعجزها المطلق عن استيعاب التحولات الكبرى أو حتى حفظ الحد الأدنى من السلم والأمن الدوليين.
أكذوبة الشرعية ومسرح الفيتو
لقد أثبتت السنوات والأحداث المتلاحقة، بما لا يدع مجالاً للشك، أن المنظمات العالمية وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لم تعد سوى أطلال لنظام بائد. نعم لقد تحولت هذه الكيانات إلى منصات لتشريع العجز وتكريس ازدواجية المعايير، فعندما تُكبل المحاكم الدولية وتقف عاجزة أمام الانتهاكات الصارخة، وعندما يُشهر "حق الفيتو" كسلاح لحماية المصالح الضيقة للقوى الكبرى على حساب دماء الشعوب واستقرار الدول، تسقط ورقة التوت الأخيرة عن مفهوم "القانون الدولي القائم على القواعد".
إن هذا الشلل المؤسسي ليس خللاً طارئاً يمكن إصلاحه ببعض التعديلات، بل هو إعلان صريح بانتهاء الصلاحية ؛ فالأدوات التي صُممت في عام 1945 لإدارة العالم وفق مقاسات المنتصرين، لا يمكنها بأي حال أن تضبط إيقاع عالم تتوزع فيه مراكز القوى من جديد.
الشلل التام للمؤسسات الأممية وتراجع القانون الدولي
إن أزمة مجلس الأمن ، أثبتت خلال الصراعات الأخيرة، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط وشرق أوروبا، أن مجلس الأمن أصبح منصة لتسجيل المواقف وتبادل "الفيتو" بدلاً من كونه جهة تنفيذية تحفظ السلم. وأصبحت القرارات الأممية حبراً على ورق، مما أفقد الأمم المتحدة وزنها الفعلي.
أما عن تجاهل المحاكم الدولية فقد رأينا مؤخراً كيف واجهت قرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية تحديات غير مسبوقة وتجاهلاً من قوى كبرى، مما أسقط ورقة التوت عن مفهوم "النظام الدولي القائم على القواعد" وأكد ازدواجية المعايير.
التمرد الاقتصادي وصناعة البديل
فما يحدث من الصعود الاقتصادي الموازي (تفكيك الهيمنة المالية)
يعتبر إنهيارا لا يقتصر على المظلات السياسية، بل يضرب بقوة في العصب الحيوي للنظام الإقتصادي القديم ؛ إن الصعود المتسارع لتكتلات موازية مثل مجموعة "بريكس"، والتوجه الاستراتيجي نحو التخلي التدريجي عن هيمنة الدولار في المبادلات التجارية، يمثلان طعنة نافذة في قلب الأحادية القطبية.
فنحن أمام مسار حتمي لتفكيك المركزية المالية ؛ حيث تدرك القوى الصاعدة أن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا بالتحرر من قيود المؤسسات المالية التقليدية (كصندوق النقد والبنك الدوليين)، التي طالما استُخدمت كأدوات للترويض الاقتصادي والارتهان السياسي.
توسع التحالفات البديلة ، مجموعة "بريكس" (BRICS) والتحالفات المماثلة لم تعد مجرد منتديات اقتصادية، بل تحولت إلى تكتلات جيوسياسية تجتذب عشرات الدول التي تبحث عن مخرج من هيمنة المؤسسات التقليدية (كصندوق النقد والبنك الدوليين).
التخلي عن الدولار (De-dollarization): هناك تسارع ملحوظ في اعتماد العملات المحلية في التبادلات التجارية بين دول كبرى (مثل الصين، روسيا، الهند، ودول خليجية)، بالإضافة إلى مساعي إنشاء أنظمة تحويل مالي بديلة لنظام "سويفت" (SWIFT) الغربي، وهو ما يضرب العصب الرئيسي للنظام العالمي القديم.
الإقليم بين المطرقة والسندان
في قلب هذا المخاض العسير تجد المناطق الجيوسياسية الحساسة وعلى رأسها منطقة الشرق الأوسط نفسها في عين العاصفة تقف بين مطرقة نظام ينهار بشراسة محاولاً التشبث بنفوذه وسندان نظام جديد يولد بتنافسية عالية، غير أن تراجع المظلة الأممية يخلق في الوقت ذاته فرصة تاريخية للقوى الإقليمية الفاعلة لإعادة التموضع.
نحن الآن أمام بروز هياكل إدارية دولية جديدة
يتجه العالم نحو "اللامركزية الإقليمية". نلاحظ صعود هياكل إدارية وتنسيقية جديدة على المستويات الإقليمية تحل محل المظلات الأممية الواسعة. في هذا المخاض، تجد مناطق استراتيجية كبرى –كالشرق الأوسط– نفسها في بؤرة التحولات، وتسعى لإعادة تموضعها بحذر لتجنب الوقوع بين مطرقة النظام المنهار وسندان القوى الصاعدة، من خلال تنويع الشراكات الاستراتيجية شرقاً وغرباً.
نشهد اليوم صعوداً لهياكل وتفاهمات إقليمية جديدة تسعى لملء الفراغ، وتأمين مصالحها بعيداً عن الوصاية الخارجية التي أثبتت فشلها الذريع ، التحول نحو الإدارة الذاتية للأزمات وتنويع الشراكات الاستراتيجية شرقاً وغرباً لم يعد تكتيكاً مؤقتاً، بل استراتيجية بقاء.
التمرد الاستراتيجي في مناطق النفوذ التقليدية
التحولات في إفريقيا ، ما نشهده من طرد للقوات الغربية (الفرنسية والأمريكية) من عدة دول إفريقية، واستبدالها بشراكات مع روسيا والصين، هو إعلان مباشر عن سقوط وصاية النظام القديم على القارة السمراء.
السيادة التكنولوجية ، سباق الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية خلق جبهة صراع جديدة لا تخضع لقوانين الأمم المتحدة، بل تتحكم فيها تكتلات تقنية وشركات كبرى تتجاوز قوتها قوة العديد من الدول.
الكلمة الأخيرة
أننا نعيش فترة "تآكل" للنظام القديم وليس انهياراً في ليلة وضحاها. المؤسسات القديمة لا تزال قائمة هيكلياً، لكنها تُفرغ يومياً من مضمونها وفعاليتها لصالح نظام متعدد الأقطاب قيد التشكيل.
أمام هذه المعطيات المتشابكة، هل ترى أن التكتلات الاقتصادية (مثل بريكس) ستكون هي المعول الحاسم لإنهاء هذا العصر القديم، أم أن التحولات الأمنية والعسكرية ستكون هي صاحبة الكلمة الفصل في تشكيل النظام الجديد؟
إن إسقاط المنظمات الأممية القديمة لا يعني بالضرورة إغلاق أبوابها مادياً غداً، بل يعني "سقوط الجدوى"؛ حيث تتآكل سلطتها الأخلاقية والتنفيذية، وينصرف العالم عنها نحو بدائل أكثر براغماتية وتمثيلاً للواقع الجديد.
نحن نعبر جسراً مضطرباً نحو عصر مختلف، ولن يكون البقاء فيه للأقوى عسكرياً فحسب، بل لمن يمتلك الرؤية لنسج تحالفات مرنة، والقدرة على قراءة التحولات وإدارة التوازنات الدقيقة.
إن عجلة التاريخ لا تعود للوراء، والنظام الذي لا يحمي الجميع، محكوم عليه بالسقوط.. وقد بدأ السقوط بالفعل.
------------------------------------
بقلم: حاتم نظمي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس
أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري