الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 17.7°C
رئيس التحرير مجدي شندي
عاصفة بوح| حزام عفة للعقل

عاصفة بوح| حزام عفة للعقل

فى أزمنة الانحطاط، كان من عادة المحاربين قبل ذهابهم للقتال لشهور طويلة أن يتاكدوا من إخلاص زوجاتهم، فقادتهم مخليتهم المريضة إلى اختراع ما سمي بحزام العفة، ليسيطروا على عفة زوجاتهم، ليس بالثقة والحب، إنما بالمنع المادى للشهوة، ليثقوا من عدم قدرة الزوجات على خيانتهم لو أرادت.. أفكار سخيفة بل مجنونة، بمعيار عصرنا الحديث، تجعلنا نسخر من عقلية وصل بها جهلها إلى هذا الحد، ورغم ذلك نجد من يرجع إلى تلك العادة المذمومة ليطبقها على العقل الانساني، بأن يخترع حزام عفة بمنطقه ومعاييره ليطبقها علينا، نحن المصريين، بأن يتحكم فيما نقرؤه أو نشاهده، بل فيما يمكن أن نطلع عليه من ثقافات أخرى، منكرا وسائل الإعلام الحديثة التى تجعل من العالم قرية صغيرة، تأتى لنا المعلومات من كل جهة لا تستطيع منعها تلك العقليات التي ما زالت تتصور أنها في عصور السيطرة الكبرى، حيث كان يمكن لأي سلطة أن تقرر ما يصل للشعوب من معلومات مادامت السلطة منبعها الوحيد ولا مرادف آخر لها!! 

مناسبة كلامى هذا هو إعلان أكثر من هيئة وآخرها المجلس القومى للترجمة أنه سوف يخضع قطاع الترجمة لمعايير أخلاقية ومجتمعية، طبعا لم يجهر بكلمة سياسية لأي كتب تترجم ولا تتوافق مع المعايير المصرية المتعارف عليها، والمتفق عليها بمفهوم عقليات القائمين على الإعلام والفكر فى المحروسة!

 السؤال هنا يطرح نفسه، هل يمكن اعتقال العقل ونحن في الألفية الثالثة؟ هل من الممكن السيطرة على منابع المعرفة، والفضاء الإلكترونى متوافر لكل من يعرف القراءة والكتابة؟ هل ممكن أن تتقدم الحياة بدون تصارع الأفكار واختلاف الثقافات وتعدد روافدها.. هل ممكن أن يتعرض العقل الجمعي لفكر واحد وعلم واحد ومصدر واحد للمعلومات والفكر؟ ألا يتكلس العقل ويضمحل الفكر وتنهار العقائد والأفكار إذا تجمدت فى عقل واحد.. كخلية وحيدة تتكاثر دون شريك، بالانقسام الذاتي فتتكور على نفسها وتشيخ وتموت، دون أن تضيف شيئا للحياة الإنسانية. 

وما تلك الموجة أو الظاهرة التى تؤيد وتشجع تأميم العلم والفكر وما نستطيع أن نعرفه وما ينكرونه علينا حتى نظل عبيدا لأفكارهم- بعد  احسانهم-!

مفكرون تحدثوا منذ قرون عن أفكار كأجنحة نطير بها فى الفضاء ولا يستطيع أي مخلوق أن يعوق انتشارها فى أذهان عباد الله، فيأتي إلينا فى عام 2020 البائس من يتصور أنه قادر على اعتقال عقولنا وتوجيهها لما يريد؟ سياسية كانت أو اجتماعية وفكرية.. عاقلة كانت أم مجنون.. ثم من يقرر ويقدر جنونها من تعقلها؟

هل هي مواءمتها للمنطق الإنسانى أو السائد الأخلاقي؟ ومن هي تلك الجهة أو الهيئة أو اللهو الخفي الذى يحدد لنا تلك المعايير التي سيتفقون عليها.. فى الحضر أم فى الريف.. في  الأوساط المتعلمة أو المنغلقة على ذاتها؟ السلفيون بمنطقهم المعوج فى العودة إلى زمن يتصورونه فى عقولهم عن السلف الصالح، أو الاخوان بمنطق التقية حتى يتمكنوا من استغلال  للشريعة وكتاب الله ليتوصلوا للتمكين السياسى وبعده يضعون كودهم الأخلاقى المخترع من عقولهم المريضة ليحددوا لنا نوعية الحياة التى نحياها، ونوع الزاد العقلى الذى نعيش من خلاله تصورهم الخاص عن السياسة والدين.

حزام عفة للعقل.. اخترعوه وزايدوا عليه، ربما لمصلحة لانعرفها وغاية مخطط لها حتى يسود الجهل، فيسهل التمكين وتتأصل السيطرة.. فالشعوب الجاهلة، كما قال بطلنا القومي المجاهد بعقله وماله محمد فريد "لا تستطيع المطالبة بحقوقها.. فظل المستعمر يؤصل مبدأ الجهل حتى يغرقوا فيه ولا يصرخ فيهم صوت مطالب بالحرية"!!

فهل عدنا إلى تلك الأيام الحزينة؟ لاحزام عفة للعقل.. فاطردوا من المواقع القيادية من يؤصل لتجهيل الشعب المصري ومصادرة منابع معرفته، مرة بدافع الحفاظ على الأخلاق، ومرة بدافع أننا لم نبلغ الحلم بعد، لنقرر مايفيدنا وما يضرنا، مع أنه معلوم أن الجهل أكثر خطورة من العلم، وإلا فلتسأل نفسك: لماذا استهدفت المكتبات فى كل العصور.. ولماذا حرم العامة من أسرار العلوم واقتصرت على الخاصة من الكهنة، حتى يظل منبع الأسرار مقصور عليهم ليتحكموا ويسيطروا وتظل شعوبهم أسيرة أفكار لا تخدم إلا حكامهم وفراعينهم!

لا أتصور أن نسمح لذلك المنهج أن يعود، بعد قرون من المطالبة بالحرية دفعت فيه أرواح وأجساد، لكى يظل للعقل حريته وحقهفى المعرفة يذود بها عن حريته ومستقبل أوطانه!
----------------------
بقلم: وفاء الشيشيني

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:03
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
17.7°C
توقعات الساعات القادمة
17.7°C
17.2°C
16.8°C
16.4°C
16.1°C
16.3°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار

- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,074ج.م
عيار 21
6,190ج.م
عيار 18
5,306ج.م
الجنيه الذهب
49,520ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...