الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 25°C
رئيس التحرير مجدي شندي

"شكلكم بقى وحش قوي"

من لطائف مايجري في بر مصر أنه بينما البلد بل والعالم كله تغلي مراجله فوق نيران الحروب والصراعات والأوبئة والأمراض والفقر والعطش،يتحلق بعضنا –كأطفال الزمن القديم– حول حواديت الجدات وأساطير القدماء.

جدات هذه الأيام يخرجن علينا من الشاشات بحكايات شبيهة بحكاية المليم الذي يشتري البيضات العشر والجنيه الذي يسحب إلى الدار قفص طيور عامر. غير أن حكاياهن الجديدة تحدثنا عن المجتمع الذي كان "سبور على الآخر"؛ الزوج ذو روح وملابس رياضية لا تعدو الشورت والفانلة (الكاب لم يكن قد اخترع حينها) وزجاجة البيرة لاتفارق يده كبديل مشروع للمياه المعدنية  في أيامنا هذه. يرتدي الرجل زيه الرسمي هذا ويخرج إلى بلكون البيت يطل بالروح الرياضية ذاتها على الجارات والجيران الذين يحيونه بكل ود وانفتاح وابتسامة رضا.

وصاحبنا هذا ذو أريحية عظيمة إذ تمتد روحه الرياضية لأهل البيت فتخرج الزوجة معه لتحية الجيران من البلكون بزي ملائم لمقتضى الحال يستعرض ماتيسر دون أدنى خوف أو شعور بالحرج. ولما الحرج؟ وهم يعيشون في يوتوبيا الحياة الرياضية حيث السرائر في نقاء الثلج والضمائر في يقظة دائمة والأخلاق على أروع ما يكون لأن التدين دفين في أعمق الأعماق ولايُسمح له بالانكشاف على الأعين.. فهذه مهمة الأكتاف العارية والشعور المنطلقة  والسيقان المتحررة.

يعتصر الهم والألم والصدمة مشاعر جدات هذه الأيام المطلات من الشاشات حين يقارنّ مجتمع الفانلة والفستان العاري والتدين المدفون في الأعماق في زمنهمالجميل،بأزمنة لاحقة تخلى فيها الأشرار والمغيبون عن الروح الرياضية ونبذوا الفانلة والشورت في قسوة وبربرية وتخلف،بل تمادوا فألقوا بالأوشحة على أذرع زوجاتهم العارية وشعورهن المنطلقة. فعل المغيبون ذلك دون أن يدركوا بجهالتهم أن الاحتشام إذا دخل من الباب فسدت الأخلاق وخرج التدين من الأعماق التي قبع فيها، وقفز منتحراً من الشباك أو حمل عصاه مهاجراً عن ذلك البلد الذي يعاف رجاله البيرة وتحتشم نساؤه بكل جرأة.

لندع السخرية جانباً ونسأل بجدية: لماذا يصر هؤلاء المطلون من الشاشات على اعتقادهم بأن الدين والأخلاق لايجتمعان؟ وأن شعائر الدين هي مجرد أفعال مظهرية تخفي وراءها نفوساً معدومة الضمائر منزوعة الأخلاق؟ وعلى أي أساس يحمِّلون الشكل الخارجي للمجتمع تبعات الانهيار الذي طال كل شئ وأطاح بقيم إيجابية طالما استوطنت في النفوس والعقول؟

الإنصاف، ومن قبله المنهج العلمي، يحثنا على دراسة أسباب الانحدار القيمي ولأخلاقي ووضعه في إطار شامل يحيط بالعوامل الثابتة والمتغيرة ولايستأسد على الدين. فحالة الانحدار التي نرتع فيها  لايمكن بحال أن تكون وليدة تغيير فجائي  بل هي فعل تراكمي امتد عبر عقود وتحالفت عليه عوامل سياسية واقتصادية وإحباطات وإخفاقات وأحلام غير مشروعة أو غير ملباة. أما الارتكان للتفسير العشوائي فلا هدف منه إلا وصم الدين بما ليس فيه وتدعيم النظرة الدونية لشعائر الإسلام ومظاهره وقيم الاحتشام التي درج عليها المجتمع منذ القدم.

من الشاشات نفسها يطل علينا حكائو الأساطير بمحاولاتهم الساذجة لإبراز معاني الشجاعة والبسالة والبطولات الفذة، والتدليل على أن مصر قد دخلت عهداً جديداً صارت فيه نداً للقوى العظمى بعد أن أصبح لها -كما قال السادات يوماً – درع وسيف. قد يكون لأساطيرهؤلاء الحكائين ظل من حقيقة، وقد تكون نواياهم طيبة لكنهم لا يولون ما يطرحونه من وقائع الاهتمام الكافي بدراستها وفهمها ووضعها في سياقها دون تهويل، فتكون النتيجة أن يتبرأ من سربوا ظل الحقيقة من مروجي الأساطير استشعاراً للحرج ودرءاً للتبعات.

 أما نحن الذين يحسبوننا أطفالاً متحلقين بانبهارحول حواديت الجدات ومروجي الأساطير فربما حان الوقت أن نقول لهؤلاء: كفاكم استخفافاً.. شكلكم بقى وحش قوي.

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:27
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
24.1°C
توقعات الساعات القادمة
24.1°C
23.6°C
22.7°C
21.7°C
21.0°C
20.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...