الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 29.1°C
رئيس التحرير مجدي شندي
سقوط "الأمم المتحده"... شرعنة العدوان على إيران ومنطق هرمز  و"التواطؤ بالصمت"

سقوط "الأمم المتحده"... شرعنة العدوان على إيران ومنطق هرمز و"التواطؤ بالصمت"

بحلول ربيع عام 2026، لم تعد الطائرات والصواريخ التي تخترق سماء الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرد أدوات في صراع إقليمي، بل باتت معاول تهدم ما تبقى من هيكل "النظام الدولي" الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية.

 إن المشهد الراهن، المتمثل في الغزو الأمريكي-الإسرائيلي المشترك، يضعنا أمام مفارقة تاريخية: فبينما تنص المواثيق الدولية على "قدسية السيادة"، نجد المؤسسات الدولية تمارس نوعاً من "الدبلوماسية الجنائية" عبر منح المعتدي "فراغاً زمنياً" كافياً لإتمام أجندته العسكرية تحت غطاء من العجز المصطنع.

أولاً: تشريح الانتهاك.. القانون الدولي تحت مقصلة القوة.. حيث لا يمكن توصيف العمليات العسكرية الجارية إلا بكونها "جريمة عدوان" مكتملة الأركان وفقاً للتعريفات المستقرة في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

إن الاعتداء على إيران يضرب في مقتل ثلاث ركائز قانونية أساسية:

 * انتهاك المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة: هذه المادة ليست مجرد نص، بل هي "العقد الاجتماعي" بين الدول. و لجوء واشنطن وتل أبيب للقوة العسكرية دون تفويض صريح من مجلس الأمن، ودون وجود "هجوم مسلح وشيك ومؤكد" يبرر الدفاع الشرعي عن النفس بموجب المادة 51، يجعل من هذا التحرك غزوًا غير شرعي يهدد السلم العالمي.

 * ويات استهداف الرموز السياسية  ليشكل "جريمة الاغتيال السياسي" ....

 إن ما شهدناه من استهداف ممنهج للقيادات السياسية والعسكرية الإيرانية يمثل خرقاً لـ "اتفاقية عام 1973 بشأن منع الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص المتمتعين بحماية دولية". القانون الدولي يعتبر أن الرموز السياسية هم تجسيد لسيادة الدولة، واستهدافهم ليس مجرد تصفية جسدية، بل هو محاولة لتقويض الكيان السياسي للدولة وتفكيك مؤسساتها من الداخل، وهو ما يُصنف كـ "إرهاب دولة" منظم.

 * خرق مبدأ الحصانة والسيادة: إن استباحة الأجواء الإيرانية واستهداف مراكز القرار يضرب عرض الحائط بقرار الجمعية العامة رقم 2131 (د-20) المتعلق بـ "إعلان عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحماية استقلالها وسيادتها".

 ويأتي فخ "مضيق هرمز".. ليكشف المستور .. حين تصبح المقاومة "تهديداً للسلم".. والصرخه اعتداء..

ففي خضم هذا الغزو، تبرز أقبح صور ازدواجية المعايير الدولية؛ فحين تضيق الخيارات أمام إيران، وتلجأ لممارسة حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس عبر التلويح بإغلاق "مضيق هرمز"— لفتًا لأنظار العالم إلى المجازر التي تُرتكب بحق شعبها — تستيقظ فجأة "الضمائر الدولية" من سباتها العميق.

هنا، تقلب الماكينة الإعلامية والسياسية الدولية الحقائق رأساً على عقب؛ فتنبري العواصم الكبرى والمؤسسات الأممية للتنديد بـ "تهديد الاقتصاد العالمي" و"عرقلة الملاحة الدولية"، ويتحول التركيز الأممي من إدانة "الجريمة الأم" (وهي العدوان العسكري واغتيال الرموز) إلى شيطنة "رد الفعل". إن انشغال العالم بأسعار النفط وتأمين ممرات التجارة، مع تجاهل آلاف الأرواح التي تُزهق والصواريخ التي تدك المدن الإيرانية، يعكس تدنيًا أخلاقيًا غير مسبوق؛ حيث تُقدّم مصلحة "المحرك والمصنع" على "حق الإنسان في الحياة والسيادة".

ويهدف  هذا "الاستنفار الانتقائي"  لعزل إيران دولياً وتصويرها كخطر وجودي على البشرية، لصرف النظر عن حقيقة أنها الضحية التي تصرخ وسط صمت القبور.

ثانياً: لغز الجمعية العامة.. لماذا يتعطل "برلمان العالم"؟

في ظل الشلل المتوقع لمجلس الأمن بفعل "الفيتو" الأمريكي الجاهز لحماية التحرك العسكري، تتجه الأنظار نحو الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولكن، لماذا يغيب "الغضب المؤسسي"؟ ولماذا لم يتحرك قطار قرار "الاتحاد من أجل السلام" حتى الآن؟

الإجابة تكمن في "هندسة الصمت". إن القوى الكبرى المعتدية لا تكتفي بالهجوم العسكري، بل تقود هجوماً دبلوماسياً موازياً في أروقة نيويورك. يتم استخدام الضغط الاقتصادي والسياسي لمنع الدول النامية والمحايدة من تشكيل "كتلة حرجة" قادرة على الدعوة لجلسة استثنائية طارئة. هذا التعطيل ليس تقنياً، بل هو قرار سياسي يهدف إلى إبقاء الجمعية العامة في حالة "تأمل" ريثما تنتهي الصواريخ من رسم الخارطة الجديدة على الأرض.

ثالثاً: "الوقت الإضافي".. الصمت كأداة لإدارة الصراع....

 أن أخطر ما يواجهه القانون الدولي اليوم هو ما يمكن تسميته بـ "التواطؤ الزمني". .ففي النزاعات الدولية، يُعد "الوقت" أغلى موارد المعتدي. إن تأخر الأمين العام في تفعيل المادة 99 من الميثاق، وتلكؤ الجمعية العامة في إصدار إدانة صريحة، يمنحان المعتدي "شيكاً على بياض" زمنياً.

هذا الصمت الدولي المريب يعطي المعتدي فرصة لـ:

 * تدمير القدرات الدفاعية والبنية التحتية بالكامل.

 * تنفيذ عمليات الاغتيال المبرمجة للرموز السياسية قبل أن يتدخل المجتمع الدولي لفرض "وقف إطلاق نار".

 * خلق واقع ميداني جديد يجعل من أي قرار أممي لاحق مجرد "تحصيل حاصل" أو محاولة للتعامل مع نتائج العدوان لا منعه.

إن العالم يراقب "مسرحية العجز"، حيث يتم استبدال التحرك الفوري ببيانات "القلق الشديد" و"دعوات ضبط النفس" المساوية بين المعتدي والمعتدى عليه، وهي لغة خشبية تخدم الأجندة العسكرية بشكل مباشر عبر تمييع الموقف القانوني.

رابعاً: الأمانة العامة للأمم المتحدة.. سقوط الدور الأخلاقي

أين هو الأمين العام للأمم المتحدة؟ إن ميثاق المنظمة يفرض عليه أن يكون "حارس المبادئ". ومع ذلك، فإن الخطاب الأممي الراهن يتسم بـ "الحياد السلبي". إن الامتناع عن تسمية الأشياء بمسمياتها، ووصف الغزو بأنه "تصعيد" بدلاً من "عدوان"، يسقط الشرعية الأخلاقية عن المنصب.

إن عدم تحرك الأمانة العامة لحشد المجتمع الدولي ضد انتهاك سيادة دولة عضو هو بمثابة استقالة ضمنية من الدور القانوني، وتكريس لمنطق أن "القانون يسري فقط على الدول التي لا تملك طائرات شبحية أو حق نقض".

خامساً: التداعيات الكارثية لسياسة "الغاب الدولية"

إن السماح بمرور هذا الاعتداء دون رد مؤسسي حازم يعني رسمياً نعي القانون الدولي. فإذا أصبحت السيادة مجرد وجهة نظر، واغتيال الرموز السياسية وسيلة مقبولة لتغيير الأنظمة، فإننا نعود بالعالم إلى ما قبل معاهدة ويستفاليا.

هذا التواطؤ يؤدي إلى:

 * فقدان الثقة في المنظومة الأممية: مما يدفع الدول للبحث عن أحلاف عسكرية خاصة أو امتلاك أسلحة ردع دمار شامل لحماية نفسها، بما أن الأمم المتحدة لم تعد توفر الحماية القانونية.

 * شرعنة "الضربات الاستباقية": وهو مفهوم فضفاض تطلقه الدول الكبرى لتبرير أي غزو مستقبلي لأي دولة تعارض أجندتها.

 * انهيار منظومة حقوق الإنسان: إذ لا يمكن الحديث عن حقوق الأفراد في ظل استباحة حق الدولة الأم في الوجود والسيادة.

إن التاريخ لن يرحم الصامتين في عام 2026. ..إن القانون الدولي اليوم ليس بحاجة إلى "نصوص جديدة"، بل هو بحاجة إلى "إرادة سياسية" تكسر طوق التواطؤ. إن على الدول المؤمنة بالعدالة الدولية، والقوى الإقليمية المتضررة من هذا التغول، أن تفرض انعقاد الجمعية العامة تحت بند "الاتحاد من أجل السلام" لانتزاع قرار يوقف هذه المحرقة القانونية.

إن البقاء في مربع "المراقب" بينما تُنتهك سيادة دولة ويُقتل رموزها هو اشتراك صريح في الجريمة. فالمعتدي لا يستمد قوته من صواريخه فحسب، بل يستمدها من صمت أولئك الذين كان من المفترض أن يرفعوا صوت القانون في وجه الطغيان.

---------------------------------

بقلم: يسرى السيد

[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة06:22
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
29.1°C
توقعات الساعات القادمة
29.1°C
28.3°C
27.2°C
26.3°C
25.5°C
24.8°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,977ج.م
عيار 21
6,105ج.م
عيار 18
5,233ج.م
الجنيه الذهب
48,840ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...