زياد.. في غيبته حضور
ليس الغياب نقيض الحضور دائمًا. ثمة أشخاص، حين يبتعدون أو يرحلون، يزداد ثقلهم في الوعي العام، كأنهم يتحولون من أفراد إلى أسئلة، ومن أسماء إلى دلالات.
زياد الرحباني واحد من هؤلاء الذين لا يملأون الفراغ بالصمت، بل يتركونه مزدحمًا بالمعنى.
في غيبته، لا نستعيد أعماله بوصفها أرشيفًا، بل بوصفها مرآةً راهنة. نكتشف أن سخريته لم تشخ، وأن موسيقاه ما زالت قادرة على إحراج اللحظة، وأن أسئلته المؤجلة لم تجد بعدُ إجاباتها. كأن الزمن، بدل أن يتجاوزه، عاد إليه ليطلب تفسيرًا.
يصعب التعامل مع زياد الرحباني بوصفه مجرد موسيقي أو كاتب مسرحي.
زياد، منذ بداياته، قدّم نفسه كحالة فكرية وفنية متكاملة، تضع المجتمع اللبناني ـ والعربي ضمنًا – أمام مرآة مكبّرة.
لم يكن زياد امتدادًا طبيعيًا لتجربة الرحابنة بقدر ما كان مساءلة جذرية لها، بل ومواجهة صريحة مع شروطها الجمالية والسياسية.
زياد ابن بيتٍ صنع جزءًا كبيرًا من الوجدان العربي الحديث، لكنه اختار مبكرًا ألا يكون وريثًا مطمئنًا. ففي الوقت الذي كانت فيه الأغنية الرحبانية الكلاسيكية تبني عالمًا متخيّلًا من الصفاء والحنين، كان زياد ينزل بالموسيقى إلى الشارع، إلى اللغة اليومية، إلى القلق الاجتماعي والسياسي. لم يرفض الجمال، لكنه رفض عزله عن الواقع.
في مسرحه، كما في موسيقاه، تتقدّم الأسئلة على الإجابات. شخصياته ليست نماذج أخلاقية ولا رموزًا مجردة، بل أفراد عاديون، مأزومون، ساخرون، يعيشون تناقضاتهم بلا أقنعة.
السخرية عند زياد ليست زينة فنية، بل أداة تحليل، وأحيانًا وسيلة دفاع أخيرة أمام عبث الواقع وانسداد الأفق.
جاءت تجربة زياد في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية، لكنها لم تقع في فخ الخطاب التعبوي أو الرثائي.
اختار موقعًا أكثر تعقيدًا: فضح البنية العميقة للعنف، لا شعاراته. انتقد الطائفية، كما انتقد القوى السياسية التي ادّعت تجاوزها. انحاز إلى الفقراء، لا بوصفهم موضوعًا للشفقة، بل باعتبارهم ضحايا نظام اقتصادي وسياسي يعيد إنتاج الظلم باسم الأيديولوجيا.
موسيقيًا، أحدث زياد قطيعة واعية مع القوالب السائدة. مزج الجاز بالمقامات الشرقية، وفتح باب الارتجال داخل بنية لحنية محكمة، مقدّمًا تجربة لا تهدف إلى الطرب وحده، بل إلى التفكير.
موسيقاه، مثل نصوصه، تطلب من المستمع أن يكون شريكًا، لا متلقيًا سلبيًا.
استمعت إليه مرة يتحدث عن علاقته بفيروز، بأبعادها المركبة بين الأم والمطربة والأيقونة، ظلت العلاقة بينهما – فنيًا – واحدة من أكثر العلاقات إثارة للجدل.
لم يتعامل معها كأيقونة معزولة عن الزمن، بل كصوت قادر على حمل قلق العصر. أعادها من سماء المثال إلى أرض الإنسان، فغنّت للحزن، للخيبة، وللانتظار غير المكتمل.
ربما هذا التحوّل لم يرق لكثيرين، لكنه كان جزءًا من مشروع زياد في كسر القداسة الزائفة، لا هدم القيمة.
لم يكن زياد الرحباني فنانًا محايدًا، لكنه في الوقت نفسه لم يكن أسيرًا للشعار.
انتماؤه اليساري لم يتحول إلى دعاية، بل ظل إطارًا نقديًا صارمًا، يوجّهه أولًا نحو رفاقه قبل خصومه.
لذلك بدا صوته، مع مرور الوقت، أكثر عزلة، لكنه أيضًا أكثر صدقًا.
لم يكن حضوره طاغيًا في سنواته الأخيرة، لكنه ظل حاضرًا في الأسئلة التي لم تجد إجابة، وفي السخرية التي لم تفقد مرارتها، وفي الموسيقى التي واصلت إحراج الزمن بدل مصادقته.
برحيله، فقدنا ضميرًا قلقًا كان يرفض أن يُنوَّم.
رحل زياد الرحباني، لكن مشروعه لم يُستكمل، وربما هذا قدره: أن يتركنا أمام عمل غير منتهٍ، كبلادٍ لم تكتمل، وكحلمٍ يرفض أن يتحوّل إلى نشيد رسمي.
رحل من دون مصالحة مع الواقع، ومن دون اعتذار عن قسوته، ومن دون خطاب وداع. وكان ذلك، على طريقته، انسجامًا أخيرًا مع حياته.
ظل طول حياته صاحب صوت مستقل، اختار أن يدفع ثمن الصدق كاملًا: عزلةً، سوء فهم، وتأجيلًا دائمًا للتكريم. فالفن الذي لا يهادن، غالبًا لا يُحتفى به في زمنه.
زياد لم يكن فنان إجماع، ربما يصبح كذلك بعد موته.
ما يبقى من زياد عصيٌّ على التصنيف والترويض: لغة فكّرت خارج بلاغتها، وموسيقى شكّت في جمالها، وموقف رفض أن يتحوّل إلى شعار.
يبقى زياد نصًا مفتوحًا، ومقطوعة بغير خاتمة، وسؤالًا يرفض علامة الاستفهام. ربما يكون هذا سرّه: أنه لا يريد أن يُستَملَك، بل أن يُفهَم. ولا يريد أن يُخلَّد، بل أن يكون حاضرًا… الآن، في هذا الخراب.
زياد إنسان ضد الطمأنينة، ضد الإجماع، ضد التصفيق السهل. وكل فنانٍ كهذا، يدفع ثمنه وحده، لكننا ندفع ثمن غيابه جميعًا.
بغيابه، يُطرح سؤال لا يخصه وحده، بل يخصنا جميعًا:
هل ما زال في ثقافتنا متّسع لمن يقول الحقيقة بلا زينة؟
أم أن زياد الرحباني كان واحدًا من آخر الذين تجرأوا على ذلك… ودفعوا الثمن؟
------------------------
بقلم: محمد حماد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري