روشتة تشخيص لا علاج !
القفز أو توهم القفز فوق معطيات الواقع والزمن ليس إلا نوعا من الوهم ، ولا يزيد عن قفز في المكان نفسه ، فهو وهم يرفض رؤية حقيقة أن الإنتقال بمجتمع من مكان إلي آخر ومن مكانة إلي أخري (إيجابا أو سلبا) يشتمل بالحتم والضرورة علي فكرة التدرج والمرحلية وبشكل حسابي دقيق ..
أو بمعني آخر ، لا يوجد شئ اسمه (إحراق المراحل) ، لأن كل مرحلة هي في التحليل الأخير مسافة وزمن وجهد ، يستحيل علي تجربة بشرية أن تخترق هذه الحواجز دون خسائر فادحة ..
لقد حاول محمد علي باشا ذلك ظنا منه أن جيشا كبيرا جيد التسليح يكفي لبناء إمبراطوريته ، متغافلا عن حقائق المجتمع المصري في عصره وأبعاد الوضع الدولي ، وكلاهما كان يتطلب بناء تدريجيا قد يستغرق عشرات السنين ..
ولقد وقع الخديو إسماعيل في نفس الخطأ ولكن من زاوية أخري ، حيث تصور أن العمارة المرصعة بمظاهر وقشور العصر تكفي كي يقف كتفا بكتف مع أباطرة وملوك أوروبا ، فكأن الأول كان يريد الإقتحام بالسيف في ميادين القتال ، والثاني بالجيتار في ساحة الأوبرا ! .
وبنفس المقياس "إحراق المراحل" ، وقع عبد الناصر في الخطأ وإن كان أكثر إدراكا ووعيا ، فقد كان الرجل يمتلك ملكات شخصية ، ومكتسبة كضابط أركان حرب تتيح له إدراك " المعضلة " التي حاول تفادي آثارها السلبية ، إلا أن حماسه وثوريته، وطبيعة النظام الديكتاتوري كان يدفع بإتجاه عدم الإلتفات إلي مخاطر عدم التدرج ، وأهمية التمهيد الصبور لبناء الإنسان المصري أولا .. وهكذا قيل "أنها كانت إشتراكية بلا اشتراكيين" ، و "عدالة توزيع الفقر" ، و "دولة المخابرات" ..إلخ ، والتي أدت في النهاية إلي النتيجة المنطقية التي تمثلت في هزيمة 1967 العسكرية.
قد يصعب فهم ما تقدم أو التسليم به علي إعتبار أن العصر الحالي يمتلك أدوات أتاحتها التكنولوجيا تسمح بالفعل "حرق المراحل" والقفز عبر الزمن بأشكال لا تتحدي العلم أو تخترق طبيعة الأشياء ، وأن التحدي الماثل هو "اللحاق بالعصر" ولن يتسني مواجهة هذا التحدي بنفس أدوات وأفكار عصور مضت.
ولكن .. هل يمكن لأي مجتمع أن يتقدم خطوة للأمام دون أن يتسلح بالعلم ؟ ، العلم الحقيقي الذي ينير العقول ويزيح الظلام عن الإدراك والوعي ..هل يستطيع اقتصاد مريض ، يفتقد إلي فلسفة حاكمة قابلة للتطبيق أن يتحمل أسلوب "الصدمات الكهربائية" من أجل "حرق المراحل"؟..
بل هل يمكن أن يتحرك المجتمع دون أن يتوفر له مناخ الاستقرار والأمن والحرية بشكل يسمح بالمبادرة والإبتكار وممارسة النقد الذاتي البناء والضروري ، كعناصر لا غني عنها للانتقال من وضع الجمود إلي وضع الحركة؟.
-------------------------------
بقلم : معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري