رامز جلال واللعب بالنار في وعي المصريين
كل رمضان، تتكرر المشاهد نفسها: ضجيج يملأ الشاشات، وجدال يسيطر على مواقع التواصل، وأسماء تعرف جيدًا كيف تُثير الانتباه. في المقدمة، يظهر رامز جلال بصراخه وابتساماته التي تتحوّل إلى فزع.
لنكن صريحين: ما يقدمه رامز جلال في برنامج «رامز ليفل الوحش» ليس مجرد ترفيه بريء. البرنامج يقوم على إخافة الضيف، ودفعه إلى لحظة رعب حقيقية تُستثمر تجاريًا أمام ملايين المشاهدين. الضحك هنا لا ينبع من نكتة ذكية أو موقف طريف، بل من فزع شخص يُفاجأ بخطر يظنه حقيقيًا. السؤال هنا: هل أصبح ترويع الناس مقبولًا للتسلية، فقط لأنه يُعرض في برنامج رمضاني؟
المفارقة أن شهر رمضان، المفترض أن يكون موسمًا للسكينة والتأمل، يتحوّل إلى موسم لرفع الأدرينالين بالصراخ والتهديد والإهانة المُقنّعة بالكوميديا. تحويل الخوف إلى منتج سنوي ناجح يكشف أزمة أعمق في صناعة الترفيه، حيث تُقدَّم الإثارة على القيمة، ونسبة المشاهدة على الكرامة.
اللافت أن المشكلة تتعلق باللعب في وعي المصريين، والوقوف على حافة الاستفزاز. رامز يستفز مشاعر الخوف، ويدرك أن الجدل يساوي انتشارًا، وأن الاستقطاب يضمن البقاء في دائرة الضوء. كل لقطة مصممة لإثارة رد فعل فوري، وكل صرخة للضيف تتحوّل إلى رقم مشاهدة جديد. الجمهور، عن غير قصد، يصبح شريكًا في العرض، يصغي ويضحك، ويشارك في دورة الخوف والضحك التي تنتجها الشاشة.
لكن الإعلام ليس ساحة ألعاب نارية. الكلمة قد تهز القناعات، والصورة قد تكرّس السلوك. حين يعتاد الجمهور الضحك على الرعب، أو التصفيق للطرح المستفز لمجرد أنه جريء، فإننا نعيد تشكيل الذوق العام نحو مزيد من القسوة والانقسام. المعيار لم يعد الإبداع أو الموهبة، بل الجرأة على استفزاز المشاعر الإنسانية وتحويلها إلى مادة قابلة للبيع.
الطرح الصريح يقتضي الاعتراف بأن جزءًا من الأزمة لا يقع على صانع المحتوى وحده، بل على صناعة كاملة تكافئ الأكثر إثارة لا الأكثر عمقًا. ومع ذلك، تبقى المسؤولية الأخلاقية فردية. من يختار مخاطبة ملايين الناس في رمضان، لا يمكنه الادعاء بأن الأمر مجرد عرض عابر.
ليست القضية ترفيها مقابل جدية، بل ببساطة: ما الحد الفاصل بين الجرأة والانفلات؟ بين الكوميديا والإهانة؟ متى تتحوّل الابتسامة إلى صرخة، والضحكة إلى قسوة؟
الإعلام قوة ناعمة، لكنه قد يتحول إلى قوة جارفة إذا غابت المعايير. الكلمة مثل النار: قد تنير الطريق، وقد تحرقه بالكامل. رامز والبرامج المشابهة تمثل تجربة خطرًا في وعي المصريين، حيث تصبح التسلية مأخوذة من رعب الآخرين، ومكانتها على الشاشة مرتبطة بمدى الانفعال الذي تستطيع إثارته. وهنا يظل السؤال الأخلاقي قائمًا: هل يستحق المشاهد أن يكون ضحية اللعب بالنار كل عام، في شهر يُفترض أن يكون للسكينة، والصيام بالنهار، والقيام بالليل، وسماع وقراءة آيات الذكر الحكيم؟
------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار
- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري