خزائن الأيام
يبدو أن صورتى التى نشرتها أمس الأول قد أثارت لغطاً كبيراً حتى لقد فسرها البعض بأنها تعبير صارخ عما تعرضت له من إهانة، وعما أصابنى من انكسار أو شعور بالهزيمة، رغم ما أشرت إليه فى الرسالة المصاحبة للصورة من أنها تعبر فقط عن حالة الإرهاق الذى أصابنى بعد ليلة بيضاء مضت وهى لا ترحب بملَك النوم فى مجلسها.
على أية حال، فإن توضيح الحقائق يبقى واجباً أخلاقياً، أياً كان حجم الخلاف السياسى مع النظام؛ لذا فإننى أؤكد لكل الأصدقاء أن أحداً لم يوجه لى أية إهانة لفظية أو جسدية، ولا أنا انكسرت أمام ضغوط الاعتقال – أو أياً كان التوصيف القانونى الذى سجلته الأوراق لهذا الاعتقال – منذ لحظة ما تصفه الأوراق الرسمية بالضبط والإحضار، وحتى لحظة مغادرتى قسم الشرطة متوجهاً إلى منزل العائلة.
بالطبع ستبقى عالقة فى الذاكرة – وإلى أمد طويل - صور "الكلبشات"، وسيارة الترحيلات، وبلاط الحبسخانة، وأجواء الزنزانة، وأقفاص الحجز وراء القضبان، وجلسات تجديد الحبس الدورية أو ما تلاها من جلسات توجيه اتهامات إضافية انتقلت بى من مواجهة تهمة المشاركة لجماعات "إرهابية" فى تحقيق أهدافها مع علمى بهذه الأهداف – وهى تهمة قد تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد – مع نشرى أخباراً كاذبة من شأنها "ترويع" المواطنين الآمنين – وهى مجرد جنحة والحمد لله ! - إلى مواجهة تهمة الانضمام لجماعة إرهابية (لا مجرد المشاركة) – وهى تهمة قد تصل عقوبتها للإعدام – إلى مواجهة اتهام ثالث بناءً على بلاغ تقدم به أحد "المواطنين الشرفاء" الذى "تضرر" من مواقفى وآرائى السياسية التى تتعارض مع مواقف وآراء سيادته – وكأن المطلوب هو أن أتماهى بالضرورة مع آرائه ومواقفه – مطالباً بفصلى من الجامعة كى لا أبث "سمومى" فى أدمغة الطلبة الأبرياء، فضلاً عن إساءتى للجيش (لا أعرف كيف) مما يُسقِط عنى أى انتماء وطنى، ويضمنى لقائمة الخونة والعملاء والمتآمرين!
هل يمكن استدعاء كل هذه الصور – وغيرها كثير – باعتبارها صوراً من صور الإهانة؟ .. ربما! .. لكننى أقصد بعدم تعرضى للإهانة أن أحداً خلال فترة اعتقالى، التى طالت لسبعة عشر شهراً، لم يوجه لى لفظاً خشناً، ولا هو تعامل معى بطريقة فظة ... ما حدث معى، ولا أعمم هنا على ما يحدث مع غيرى، هو أننى عوملت معاملةً طيبة، ولكن – بالطبع – كنزيل فى ليمان طرة، لا كنزيل فى منتجع سياحى، أو فى فندق فئة الخمسة نجوم، أو حتى فى فندق الحرم الزينبى! … تحضرنى فى هذا الشأن واقعة تعرضى نهاية شهر رمضان الماضى – أى منذ نحو عام مضى - لأزمة صحية حادة بسبب عدم انتظام ضغط الدم، وهو مرض مراوغ كما يعلم الجميع، إذ وجدت من إدارة السجن ومن ضباط الأمن الوطنى وقتها اهتماماً ورعاية طبية جادة، بل ورعاية إنسانية اقتضت مغادرتى الزنزانة لعدة أيام أمضيتها تحت رعاية خاصة تساعدنى على استرداد صحتى البدنية والنفسية؛ ولا أعرف إن كان هذا الاهتمام الزائد وقتها نابعاً من أخلاق أصحابه، أم هى تعليمات عليا كانوا ينفذونها، أم هما الأمران معاً.
أياً ما كان الأمر، فإنه تبقى للسجون فى كل الأحوال قسوتها، كما تبقى لمذاق الظلم فى أعماق النفس مرارته، وتبقى خيوط الأيام التى ضاعت من أطراف بساط العمر شاهدة على ما ضاع من رونق البساط … قد ينسينى الزمن بعد أن يمضى فى طريقه قسوة السجن، أو بعضاً من قسوته؛ وقد تهدأ النفس مع الأيام – ولو بعد حين – فتغفر لمن أذاقها مرارة الظلم ظلمه، أو بعضاً من هذا الظلم؛ لكن كيف أغفل فى أى وقت من الأوقات عن بساط العمر وهو يستصرخنى أن أرد له اعتباره وأن أعيد له رونقه؟! وهل يغفر العقل يوماً لمن شوَّه وجه الحقيقة خطيئته؟! وهل يعفو الضمير يوماً عمن أساء للعدالة، وسعى لأن يُسقِط عن صاحبة الميزان ريشتها التى تزين رأسها؟! وهل تغفو باقى الذكريات فلا تعود تطارد الذاكرة، وتعطل عمل العقل إن هو اختار طريق الحكمة فى تعامله مع المستقبل، وأراد أن ينفض عنه ضغوط الاستسلام لإساءات الماضى؟!
تساؤلات تتزاحم فى الرأس - مع تساؤلات أخرى كثيرة – موضوعها مستقبل الأيام كيف سيكون … تساؤلات تحتفظ خزائن الأيام المقبلة بإجاباتها، وهى كعادة الأيام لا تتيح لأحد فتح أبواب خزائنها قبل موعدها؛ وحتى يحين هذا الموعد فإن آلة التفكير ستظل تعمل كى تجد المفاتيح التى تفتح أبواب هذه الخزائن حين تلقيها الأيام بين أيدينا؛ وعلَّ نجاح آلة التفكير فى العثورعلى هذه المفاتيح أن يكون "قريباً، وقريباً جداً”!!
----------------------
بقلم: د. حازم حسني
نقلا ع صفحة الكاتب على فيس بوك
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
الذبح لمن استطاع سبيلا
بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري