خديعة النصح (2) حين يُقاد العقل بالرغبة... كيف تَسوقنا أنفسُنا إلى الفخ بإرادتنا؟
(رحلة تحليلية داخل الإنسان: من الحاجة إلى الطمأنينة… إلى لحظة السقوط)
لم يكن إبليس هو من أغرى فقط.. كانت النفس هي من رغبت. الرغبة في الخلود، في الأمان، في البقاء.. هي التي جعلت آدم يستمع. لم تكن الكلمة هي الفخ، بل الحاجةُ التي بداخل النفس.
يقول ابن القيم: "كل معصية هي نتيجة شهوة أو شبهة"… وكل شهوة، تبدأ برغبة… والرغبة تنمو حين لا تُمحَص.
في علم النفس الحديث، يُفرّق بين "النية الواعية" و"الدافع اللاواعي". قد تقول إنك تريد الخير… لكن دوافعك الداخلية تقودك لما ترتاح له، لا لما هو أصلح.
هذه اللحظة… حين تكون الرغبة غير واضحة… هي لحظة دخول الفخ.
المشهد الأول: الرغبة كقوة محركة
النفس البشرية مبرمجة على البحث عن الراحة. عن الإجابة السهلة. عن الضوء وسط عتمة التردد.
نظرية ماسلو الشهيرة ترسم هرمًا للاحتياجات: يبدأ من الأمان، مرورًا بالحب، وصولًا لتحقيق الذات. لكن حين يُهدّد الأمان.. يُصبح الإنسان على استعداد لتصديق أي مَن يمنحه وهم الاستقرار.
وهنا، تدخل النصيحة. ليست لأنها صحيحة… بل لأنها تُسكّن رغبةً داخلية. تُعطي مبررًا. تُزيل توترًا داخليًا. وتفتح الباب للسقوط، وأنت تظن أنك تنجو.
المشهد الثاني: من التبرير إلى الإقناع الذاتي
في دراسات علم النفس السلوكي، يُشرح مفهوم التحيّز التأكيدي: Confirmation Bias
الإنسان يبحث عمّا يؤكد قناعاته، لا عمّا يصححها.
لذلك حين يرغب.. يبدأ عقله في ترتيب المبررات. ويُصبح أي صوت خارجي يُدغدغ هذه الرغبة، موضع ثقة، ولو كان خادعًا.
لا تنخدع… أحيانًا من يقول لك: "أنا فقط أريد مصلحتك"، لا يفعل شيئًا إلا أنه يمنحك تصريحًا بأن تفعل ما تهواه.
المشهد الثالث: النجاة تبدأ من الوعي
الخطوة الأولى للنجاة.. ليست في الهروب من المؤثرين أو في كراهية النصح. بل في فحص نفسك:
ماذا أريد فعلًا؟
ولماذا أبحث عن نصيحة؟
وهل أنا أطلب الحق؟ أم الراحة؟
قال عمر بن الخطاب: "رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي"… ولم يقل: أراحني.
الوعي بالنية… هو جدار الحماية الأول.
المشهد الرابع: اللحظة الفاصلة بين الاستجابة والرفض
حين تسمع نصيحة… يقف داخلك شيئان:
صوت الرغبة: يقول لك نعم، خذها، هذا مريح.
وصوت الضمير: يسأل.. لماذا الآن؟ ولماذا من هذا الشخص؟
هذه اللحظة.. هي لحظة الفكاك أو السقوط.
قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 40-41]
الخاتمة:
إن الإنسان لا يُقاد بالحبال.. بل بالأمل، والرغبة، والخوف، والبحث عن طمأنينة.
فمن لم يعرف ما بداخله.. سيظلّ يُقاد من الخارج.
زن رغبتك، قبل أن تزن النصيحة.
زن دوافعك، قبل أن تزن الكلمات.
زن قلبك.. بميزان من لا يغشك: ميزان الوحي.
------------------------
بقلم: محمد عبدالحميد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد
هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...
في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار
- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري