حكايات البيت الكبير (2) وجوه لا تُنسى.. عن جدي إبراهيم وجدتي حورية
بعد أن حكى كثيرون أنهم يريدون أن يعرفوا أكثر عن وجوه هذا البيت الكبير، وجدتُ نفسي أعود بذاكرتي لا إلى الجدران هذه المرة، بل إلى من منحوا تلك الجدران روحها: جدي الشيخ إبراهيم، وجدتي حورية.
وُلد جدي عام 1889، في زمن مختلف تمامًا عن عالمنا، زمن كانت فيه الحياة أكثر خشونة، لكنها ربما كانت أكثر وضوحًا. لم يكن جدي مجرد رجلٍ صعيدي عادي، بل كان يحمل في جيناته وعروقه إرثاً من العلم والسيادة؛ فهو سليل عائلة "أولاد علي" في قرية ببلاو، تلك العائلة التي شرفت بأن يكون أحد أفرادها هو الإمام الأكبر الشيخ علي بن محمد بن أحمد الببلاوي الإدريسي الحسني (1251 - 1323 هـ)، ذلك الفقيه المالكي والشيخ السادس والعشرون للأزهر الشريف، ونقيب الأشراف الذي كان علماً من أعلام عصره. هذا النسب الشريف، وهذا الإرث الذي يجمع بين العلم والولاية، كان يطلّ من عيني جدي ومن هيبته الفطرية التي يلمسها كل من يقترب منه.
أما جدتي "حورية"، فقد كان لها من اسمها نصيبٌ وافر؛ وُلدت عام 1903، وجاءت إلى الدنيا كأنها تحمل في روحها خفة الاسم وصفاءه، لتكون هي السكينة التي تروّض عواصف الجد وقلقه. تزوجا عام 1914، وكانت لم تتجاوز الحادية عشرة من عمرها، وهو أمر يبدو صادمًا الآن، لكنه كان مألوفًا في ذلك الزمن، جزءًا من طبيعة الحياة التي لم تكن تُقاس بالمعايير نفسها التي نقيس بها اليوم.
بدأت رحلتهما معًا مبكرًا، وكبرت سريعًا على إيقاع المسؤولية. أنجبا أول أبنائهما، عمتي حميدة، عام 1916، ثم عمي محمود عام 1918، وتوالى الأبناء بعد ذلك، لتتشكل أسرة كبيرة كانت نواتها علاقة يغلب عليها الرضا. لم تكن حياتهما خالية من المشقة، بل على العكس، كانت مليئة بالتنقلات والقرارات المفاجئة التي كان يتخذها جدي، لكن ما يلفت النظر أن هذه الحياة، بكل ما فيها من اضطراب، لم تهز استقرارهما كزوجين.
حين أتأمل حكايات العائلة، أتوقف كثيرًا أمام تركيبة الأسرة في ذلك الزمن؛ كان لكلٍ من جدي وجدتي إخوة غير أشقاء من جهة الأب ومن جهة الأم، إلى جانب الإخوة الأشقاء، وهو ما يعكس طبيعة مجتمع لم يكن يرى في الزواج أو الطلاق أزمة، بل جزءًا من دورة الحياة التي تستمر مهما حدث. لم يكن غريبًا أن تتزوج المرأة أكثر من مرة، ولم يكن يُنظر إلى ذلك بوصمة، بل ربما كان العيب الحقيقي أن تبقى المرأة بلا زوج يحميها ويقوم على شؤونها، وكان التعدد حاضرًا، لكن الحياة، رغم ذلك، بدت أبسط، أقل تعقيدًا، وأكثر تصالحًا مع واقعها. ومع ذلك، لم تكن هذه القاعدة تنطبق على جدي وجدتي، فقد عاشا معًا حياة مستقرة حتى النهاية، كأنهما اختارا – وسط كل هذا التغير – أن يكونا استثناءً هادئًا.
أما عن علاقتي بجدي، فكانت قصيرة زمنيًا، لكنها ممتدة الأثر؛ فقد توفي جدي في 12 يناير عام 1974، ولم أكن قد تجاوزت السادسة من عمري. ومع ذلك، بقيت منه صور صغيرة، لكنها شديدة الوضوح، كأنها محفورة في الذاكرة لا تُمحى. أتذكر ملامحه الشقراء، وحنانه الذي كان يفيض دون جهد. كان يحبنا نحن الأحفاد حبًا ظاهرًا، بسيطًا، لا يحتاج إلى تفسير. كان يعود من الخارج حاملاً الحلوى، وكأنها طقس لا يتخلى عنه، يجمعنا حوله، ويوزعها علينا بفرح حقيقي، كأن سعادته في العطاء لا تقل عن سعادتنا في الأخذ.
ورغم انشغاله، لم يكن يغفل عنا نحن الصغار؛ أتذكر أنه كان إذا دخلنا دكان البقال المجاور "عم حسانين"، يوصيه أن يُجلسنا حتى ينتهي من شراء ما يريد، فلا ننتظر واقفين؛ تفصيلة صغيرة، لكنها تقول الكثير عن رجل كان يرى في راحتنا أمرًا لا يُهمل.
ومن بيننا جميعًا، كانت ابنة عمي وفاء تحظى بنصيب أوفر من هذا الحنان وأيضاً سخاء في العطاء؛ كنا نلحظ ذلك، وربما لم نفهمه وقتها، لكن جدتي كانت تفسره دائمًا: "وفاء تشبه تفيدة".
وتفيدة… كانت الحكاية التي تحمل وجعًا صامتًا في قلب العائلة؛ عمتي التي رحلت صغيرة، في السابعة عشرة من عمرها، بعد زواج قصير، حين أصيبت بحمى النفاس عقب ولادتها الأولى، فرحلت هي وطفلها معًا. كان ذلك الجرح عميقًا في نفس جدي، لم يلتئم تمامًا، وبقي أثره يظهر في حبه الزائد لوفاء، كأنه امتداد لتلك الابنة التي لم يمهلها القدر طويلًا.
في سنواته الأخيرة، كان يقضي وقتًا طويلًا في لعب "الطاولة"، لم يكن مجرد لاعب عادي، بل كان "حريفًا" كما كانوا يقولون، وقد أورث جميع أبنائه حبّها والتميز فيها ، كان يجد متعته في اللعب مع صديقه "عم فرج" وبعض الجيران، وكان المشهد يتكرر.. ضحكات، نقاشات، نقرات على الطاولة، وحضور دافئ يملأ المكان.
ورغم صغر سني، فإن يوم وفاة جدي لا يزال حاضرًا في ذاكرتي بتفاصيله؛ استيقظنا ونحن الأطفال لا نفهم شيئًا مما يحدث، لكننا شعرنا أن هناك أمرًا كبيرًا قد وقع ، كان الشارع ممتلئًا بالكراسي، مصطفة في نظام غريب علينا، يجلس عليها رجال كثيرون، بعضهم بملابس عسكرية، كانوا زملاء عمي محمد، الضابط بالقوات المسلحة، الذي شارك في حروب 1956 و1967 و1973، وكان بطلاً من أبطال هذه الحروب عليه رحمة الله، وآخرون من زملاء أبي وأعمامي.
ثم رأيت النعش يخرج من المنزل، ورأيت الناس يتبعونه في جنازة كبيرة، مهيبة، شارك فيها المئات من الأقارب والجيران. يومها رأيت وجوهاً يغمرها الحزن الحقيقي؛ لم يكن الحزن مجرد واجب، بل كان حبًا ظاهرًا لرجل ترك أثره في قلوب من حوله .. يومها، ربما لم أفهم معنى الموت بالكامل، لكنني فهمت شيئًا واحدًا: أن جدي كان رجلًا محبوبًا، بقيت سيرته في الشارع والحي لسنوات طويلة بعد الرحيل، وأصبح يُطلق علينا جميعًا في الحي "أبناء الشيخ إبراهيم".
الرجل الذي عاش كما أراد… وترك وراءه ما يستحق أن يُحكى.
--------------------------
بقلم: سحر الببلاوي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها
شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...
البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"
لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري