السبت، 07 نوفمبر 2026 القاهرة 17.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي
جدل التريليون دولار

جدل التريليون دولار

هناك رؤى نقدية لتوجهات السياسة الخارجية السعودية في علاقتها مع الولايات المتحدة، مستندة إلى تصريحات ترامب التي توضح أسلوبه القائم على المقايضة المالية في السياسة الدولية، ويمكن تحليل هذا الطرح من زاوية علمية سياسية عبر تفكيك عدة محاور رئيسية:

المحور الأول : الواقعية السياسية ومنطق القوة

ترتكز السياسة الأمريكية، وخاصة في عهد ترامب، على مبدأ "الربح مقابل التحالف"، حيث التعامل مع الشراكات الدولية كصفقات تجارية بحتة، خصوصًا في الشرق الأوسط، وهذا يتسق مع المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، التي ترى أن القوة والمصالح هي المحدد الأساسي للتحالفات وليس الأيديولوجيا أو القيم، وبالتالي مطالبة ترامب بمبالغ ضخمة مقابل التحالف ليست غريبة في سياق تفكيره.

المحور الثاني - الفرضية البديلة: التوظيف الاستراتيجي للأموال

يطرح إحدى الرؤى فرضية مثيرة: ماذا لو كان هذا التريليون دولار مشروطًا بإقامة دولة فلسطينية أو استثمارها في قوة عربية مستقلة؟

هنا يظهر جدل القدرة مقابل الإرادة، أي هل تمتلك الدول العربية القدرة على استخدام أوراقها المالية كأدوات ضغط سياسية؟..

تاريخيًا، أثبتت بعض التجارب أن النفوذ الاقتصادي يمكن ترجمته إلى نفوذ سياسي، كما فعلت دول الخليج في استخدام النفط أداةً للضغط خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣، ولكن المشكلة تكمن في الإرادة السياسية والتنسيق العربي، حيث أن الواقع الجيوبوليتيكي يعكس تباينات في الأجندات العربية، ما يمنع توحيد الجهود في ملف مثل القضية الفلسطينية.

المحور الثالث : الابتزاز السياسي والهيمنة الاقتصادية

ترامب لم يخفِ يومًا أن الولايات المتحدة الأمريكية تمارس ابتزازًا ماليًا مباشرًا على حلفائها، فهو يرى في السعودية شريكًا اقتصاديًا أكثر منه شريكًا استراتيجيًا، ويطالبها بدفع مقابل هذا التحالف، وهذا النمط من العلاقات غير متكافئ، حيث تصبح الدولة العربية في موقع التابع اقتصاديًا، ما يضعف قدرتها على فرض شروطها.

في المقابل، لو تم توجيه هذه الاستثمارات داخليًا أو في دول عربية أخرى كجزء من استراتيجية بناء تحالفات إقليمية، ربما كانت ستؤدي إلى توازن قوى يمنح العرب نفوذًا أكبر في مواجهة الضغط الأمريكي والإسرائيلي.

المحور الرابع : هل يمكن فرض شروط عربية؟

من الناحية النظرية، تمتلك الدول العربية القدرة المالية والجغرافية والاستراتيجية لفرض شروطها في أي صفقة دولية، لكن غياب التنسيق وضعف الإرادة السياسية يجعلان ذلك غير ممكن، فلو كان للدول العربية موقف موحد يشترط استثماراتها أو صفقاتها العسكرية بتحقيق تقدم في القضية الفلسطينية، لكان ذلك سيجبر الولايات المتحدة على إعادة حساباتها، لكن الواقع يشير إلى أن الانقسامات الداخلية تجعل المفاوض العربي أضعف أمام واشنطن.

المحور الخامس - النتيجة: هل المشكلة في ترامب أم في النظام الدولي؟

قد يبدو ترامب فظًا في أسلوبه، لكنه يعكس الحقيقة العارية للنظام الدولي الحالي، حيث تحكم المصالح الاقتصادية العلاقات بين الدول، فالمشكلة ليست في ترامب وحده، بل في غياب سياسة عربية موحدة تستثمر الموارد بذكاء لتحقيق مكاسب استراتيجية، بدلًا من الرضوخ لمعادلة الهيمنة الاقتصادية الأمريكية.

الخاتمة: بين الواقعية والمثالية

يبقى السؤال: هل يمكن توظيف هذه الأموال سياسيًا؟ أم أن الواقع الدولي لا يسمح بذلك؟

الحقيقة أن القدرة المالية وحدها لا تكفي؛ بل تحتاج إلى رؤية سياسية مستقلة، وإرادة سيادية قوية، وتحالفات إقليمية متماسكة، وعندها فقط يمكن أن يكون للدول العربية تأثير حقيقي على مسار الأحداث، بدلًا من أن تبقى الولايات المتحدة مجرد طرف يُدفع له ليبقى من يدفع في دائرة النفوذ الأمريكي.
-------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:10
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
17.6°C
توقعات الساعات القادمة
17.6°C
17.4°C
16.9°C
16.6°C
16.4°C
15.9°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار

- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,074ج.م
عيار 21
6,190ج.م
عيار 18
5,306ج.م
الجنيه الذهب
49,520ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...