الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 26°C
رئيس التحرير مجدي شندي
جدلية العلاقة بين القدوة والاقتداء "تصورات ورؤى"

جدلية العلاقة بين القدوة والاقتداء "تصورات ورؤى"

لم يعد سؤال القدوة ترفا فكريا، بل تحول إلى ضرورة تربوية ملحة في زمن اختلطت فيه الصورة بالقيمة، والشهرة بالنجاح، والانتشار بالتأثير. ففي عالم مفتوح على الشاشات والمنصات، يقف الطفل حائرا أمام نماذج كثيرة تقدم له بوصفها قدوة، بينما يغيب الجوهر وتبهت المعاني.

لقد تغير مفهوم القدوة؛ فلم تعد مرتبطة بالعلم أو الخلق أو العطاء، بل صارت في كثير من الأحيان صورة لامعة، أو شهرة سريعة، أو ثراء بلا جهد ظاهر. وهنا تبدأ الإشكالية: هل ما يراه الطفل كل يوم قدوة حقيقية، أم زيف مغلف بالإعجاب؟

تصنع القدوة الزائفة حين تسلط الأضواء على الشكل دون المضمون، وحين يقدم النجاح وكأنه نتيجة ضربة حظ، لا ثمرة تعب أو التزام. تلعب بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل دورا حيويا في هذا التشكيل المشوه، إذ ترفع أشخاصا بلا رسالة، وتسقط من الحساب نماذج صامتة تعمل في الظل، وتبني وتصلح.

ومع التكرار، يرسخ في عقل الطفل أن القيمة فيما يشاهد، لا فيما ينجز، وأن الطريق الأقصر هو الأدرى بالاتباع، ولو كان خاليا من المعنى.

وتكمن خطورة القدوة الزائفة في أنها لا تكتفي بتشويه مفهوم النجاح، بل تزرع سؤالا مربكا داخل كل بيت: كيف نقنع أبنائنا، وسط هذا السيل من المغريات، بأن العلم والعمل هما الأساس الحقيقي للحياة والمستقبل؟

كيف نحدثهم عن الصبر والاجتهاد، وهم يرون من حولهم من يحصد الشهرة والمال دون جهد ظاهر أو قيمة مضافة؟

لقد أصبحنا في زمن يقدر فيه المال والشهرة أكثر من أي وقت مضى، حتى أن بعض الوظائف الجديدة التي ظهرت لم تكن متوقعة قبل عقدين، أصبح المجتمع ينظر إليها أحيانا بعين الإعجاب الفارغ، بينما ينظر إلى وظائف أساسية أخرى باعتبارها أقل قيمة، رغم أن استمرارها ضروري لاستقرار المجتمع. هذا التفاوت في التقدير يعكس خللا في منظومة القيم، ويجعل من الصعب على الأب أن يوضح لطفله أن كل عمل له مكانته وأهميته، وأن نقصان أي عنصر من عناصر المجتمع سواء التعليم، الصحة، الخدمات، أو الإنتاج قد يؤدي إلى كارثة حقيقية في النسيج الاجتماعي.

إن إقناع الابن لا يكون بالخطب ولا بالمواعظ المجردة، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الطريق الطويل. حين يرى الطفل أن العلم يفتح أبواب الفهم قبل الوظائف، وأن العمل الجاد يمنح الإنسان كرامته قبل دخله، يبدأ المعنى في التشكيل داخله. المشكلة ليست في حب الطفل للنجاح السريع، بل في غياب النماذج التي تجسده له أن النجاح الحقيقي عملية تراكمية، لا قفزة مفاجئة.

وقبل أن نحمل الخارج المسؤولية، علينا أن نتوقف أمام البيت. فالأسرة هي القدوة الأولى، والأكثر تأثيرا. الطفل لا يتعلم مما نلقنه بقدر ما يتعلم مما يراه. حين يرى والده يحترم عمله، وامه تقدر العلم وتسعى للتعلم، يفهم دون شرح أن للجهد قيمة. الاتساق بين القول والفعل هنا ليس خيارا، بل شرط لبناء الإقناع.

كما يظل المعلم أحد أهم رموز القدوة، متى استعاد مكانته الأخلاقية قبل العلمية. فالكلمة الصادقة، والعدل بين الطلاب، واحترام عقولهم، كلها رسائل غير مباشرة تؤكد أن العلم ليس عبئا، بل طريق للفهم والنضج. المدرسة شريك أساسي في ترسيخ فكرة أن العمل والاجتهاد ليسا بديلين عن الموهبة، بل حاضنتها الحقيقية.

وتتشكل القدوة عبر المراحل العمرية بشكل متدرج؛ ففي الطفولة المبكرة يكون التقليد هو اللغة الأولى، وتصبح القدوة سلوكا يوميا بسيطا. وفي الطفولة المتوسطة تلعب القصص والسير والنماذج الواقعية دورا كبيرا في التكوين، خاصة حين تقدم بوصفها تجارب إنسانية مليئة بالمحاولات والفشل قبل النجاح. أما في المراهقة، فيغدو الحوار والاحتواء أهم من الوعظ، ويصبح السؤال المشترك مع الابن عن معنى النجاح ودوره في المجتمع مدخلا أعمق للإقناع. وفي مرحلة الشباب، تبرز الحاجة إلى قدوة واقعية ناجحة أخلاقيا، تثبت أن العلم والعمل ما زالا قادرين على صناعة مستقبل محترم.

وإعادة بناء مفهوم القدوة تبدأ بإبراز النماذج الصادقة من الواقع، وترشيد ما يتعرض له الطفل من محتوى، وربط النجاح بالقيمة لا بالصورة. فالقدوة الحقيقية ليست خارقة، بل إنسان يعمل، يخطئ، يتعلم، ويصلح، ويثبت بالفعل أن الطريق المستقيم، وإن طال، هو الأصدق أثرا والأبقى نتيجة.

وفي الختام، يبقى السؤال مفتوحا: هل فقدنا القدوة؟!

سؤال موجّه إلينا جميعا: كيف نعيش ما نريد أن نزرعه في أبنائنا؟ فالإجابة لا تكتب بالمقالات وحدها، بل تصاغ بالسلوك، وتثبت بالفعل، وتورث للأجيال.
------------------------------
بقلم: د. محمد أشرف الغمراوي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:11
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
25.1°C
توقعات الساعات القادمة
25.1°C
23.3°C
22.3°C
21.0°C
20.1°C
19.5°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

أسعار الذهب اليوم

بيانات أسعار الذهب غير متاحة حالياً.

تابعونا


جارٍ التحميل...