الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 22.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
تقبيل الأيادي

تقبيل الأيادي

أولى علامات العبودية للسلطان حركات الجسد. وهى ليست مجرد حركات خارجية بتغيير وضع أعضائه بل تدل على حالات نفسية من الخوف والارتعاش. وتدل هذه الحالات على وضع الذل الذى يشعر به المواطن أمام الرئيس. والذل يدل على العبودية من جانب والتأليه من جانب آخر، فالجسد الذى يقوم بوظائف المعاش فى العمل باليد، «هذه يد يحبها الله ورسوله»، فليس أفضل ممن أكل من عمل يده، والسعى بالقدم «اسعى يا عبد وأنا أعينك»، والتصويب بالعينين فى الرماية، والسماع بالأذنين فى الموسيقى، والشم بالأنف فى العطور، يؤدى وظائف أخرى لتعظيم الرئيس افتعالا ولخدمته حتى لو توقفت باقى الوظائف الطبيعية.

وأولى حركات الجسد لتعظيم الرئيس الانحناء أمامه، وتختلف درجات الانحناء طبقا لشدة الخوف، ربع انحناء إذا كان الخوف نسبيا، ونصف انحناء إذا كان الخوف شديداً. والعيون لا تنظر إليه بل إلى الأسفل، نحو الأرض لأن عيونه نفاذة تبعث على الإرهاب والخوف، وقد كان بعض الناس يغمى عليهم وهم فى حضرة ديجول الرئيس الفرنسى لما له من حضور فى الوعى الفرنسى. فهو قائد المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازى، ومنقذ فرنسا من عدوانها على الجزائر واحتلالها له، والتسليم باستقلالها بعد انتخابات حرة لشعب الجزائر. وكرر نفس الشىء مع السنغال بتخيير الاثنين بين أن يكون جزءا من فرنسا أو الاستقلال مع الانفصال أو الاستقلال مع التعاون، والانحناء يعادل الركوع فى الصلاة، وقد يصل الانحناء إلى درجة السجود مثل السجود فى الصلاة، ووضع الجبة على الأرض.

وهو ما يحدث أحيانا فى اليابان من احترام المرأة للرجل، زوجا أو ضيفا، فى المنزل أو فى المعبد، وتظهر حركات الجسد أيضا فى قيام الحاضرين له إذا أتى، وجلوسهم بعد أن يجلس، دون الاكتفاء بالتصفيق أو الهتاف، والشائع هو التقبيل من أهل الحظوة ودائرة الحكم. ويتفاوت التقبيل بين الوجنتين بلمس الشفتين أو فى الهواء أو لذبابة الأنف، بالرغم مما قد يوجد عليها أو حولها من مخلفات التنفس أو ما يصاب به الرئيس مثل باقى البشر بالبرد فيصيب رجال الحكم، وقد يكون التقبيل للأكتاف حتى لا ترتفع رأس المقبّل على مستوى رأس الرئيس. ويكون التقبيل مرة واحدة وليس مرتين كما يفعل باقى البشر. يكفى المقبّل شرفا أن يقبل مرة واحدة وليس مرتين، وقد يكون التقبيل، إذا كان الملك فوق الحصان فى عيد العرش، لحوافر الحصان مما يتطلب سجود زعماء القبائل. وإن كان زعيم الزعماء فإنه يقبل قدمى الملك المدلاتين على جانبى الحصان مما يتطلب أيضا الركوع، وتقبيل قدم واحدة وليس القدمين. ويكفى ذلك شرفا. والتقبيل الشائع للأيادى التى يرفعها الملك بتثاقل مما يقتضى أيضا انحناء أهل الحكم. وفى هذه الحالة لا فرق بين الملك والملكة أو بين الرئيس وزوجه فى تقبيل الأيادى سواء فى حفلات الاستقبال الرسمية أو عند القدوم والاستقبال وهو فى الطريق إلى كرسى العرش.

وقد يتحرك الجسد كله إلى علامة للتعظيم بالسير وراءه لحمايته من الخلف سواء كان على الأقدام إذا كان فى البهو والمسافة قصيرة أو كان فى العربة فى موكب والمسافة طويلة، وقد يكون السير أمامه لتوسيع الطريق ولدواعى الأمن من الألغام المخفية التى تستهدفه. ويكون السير بجواره لحمايته من الاعتداء عليه من أحد جانبى الطريق. ولو كان بالإمكان السير من فوق لحمايته من القصف الجوى لحدث، خاصة لو كانت السماء ملبدة بالغيوم يصعب على أحد فيها الرؤية. وإذا كانت العربة يكون جرى الحراس وراءها أو على حافتيها واقفين على درجى العربة، يمينا ويسارا. وفى حالة المطر أو القيظ الشديد يمسك الحارسان على حافتى العربة بالمظلات الكبيرة لحماية الرئيس كالغمامة التى ظللت الرسول وهو فى رحلته إلى الشام. وتوضع حواجز على جوانب الطريق لمنع العامة من الاقتراب.

وتسد بعض الطرق. ويُغير سير المرور، ويُعطل كلية أحيانا بالساعات حتى يمر الرئيس أو يصل مكان زيارته. والناس تسب وتلعن لتأخيرها عن مواعيد عملها. ومنهم المريض الذاهب إلى المستشفى، والطالب الذاهب إلى معهده، وتنظف الطرق التى يمر بها الرئيس ليلتها وكأن النظافة حكر عليه، والقمامة قد تعود عليها الشعب، ويُعاد دهان الأرصفة بالأسود والأبيض لتجميل حافتى الطريق. وهو ما فعله الثوار أثناء الثورة بعد انسحاب الشرطة ورجال الأمن والقيام بدورها. وبسرعة فائقة تصلح الأرصفة ويُعاد تركيب البلاط المخلوع على الرغم من أن المحافظة معروفة ببطئها فى تنفيذ الخدمات أو إهمالها كلية.

وبالإضافة إلى الجسد هناك اللسان. وزيادة على حركات الأعضاء تضاف الألقاب: صاحب الجلالة، صاحب الفخامة، صاحب العظمة، صاحب السيادة، صاحب العزة. وهى ألقاب لا تطلق إلا على الله فى أسمائه الحسنى. فالجلالة والفخامة والعظمة والسيادة والعزة لله. وهناك السيد الرئيس، سيادتك، معاليك. فى حين أن أول ما فعلته ثورة يوليو 1952 إلغاء الألقاب المدنية مثل «باشا»، «بك»، وهى ألقاب تركية فى معظمها. ولم يبق إلا «أفندى» التى تقال للجميع.

وكذلك تكثر التعبيرات التى تستجيب له عند الطلب مثل «فى خدمتك»، «أنا خدامك»، «أفندم»، «طلباتك». وينخفض الصوت وقد تتلعثم الكلمات بالرغم من قلتها. وقد كان العربى قديما يدخل على كسرى على حصانه غارزا رمحه فى بساطه الوفير يدعوه إلى الإسلام. فالإيمان بالله يعطى الشجاعة ويدفع إلى نصب القامة وعدم السجود إلا لله. كما يجيب بألفاظ الموافقة مثل: «نعم»، «حاضر»، «تمام» وكأنه لا اعتراض عليه، ما شاء فعل.

ولم يمنع ذلك التأليه للرئيس من الموت الطبيعى «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ»، «فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» كما حدث لرئيس الجمهورية الأولى. ولم يمنع ذلك من الاغتيال، من إطلاق النار عليه، من جنده، وفى أوج عظمته، فى منصته، والجيش يمر أمامه وهو فى خيلاء الزى العسكرى المرصع بالنياشين كما قال فرعون لقومه «أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى»، وهو ما حدث لرئيس الجمهورية الثانية. ولم يمنع ذلك من ثورة الشعب عليه والخروج بالملايين فى الميادين عليه، والتوجه إلى محاصرة القصر، وإجباره على التنازل ثم إدخاله قفص الاتهام كما حدث لرئيس الجمهورية الثالثة الذى مازال يحاكم باسم الشعب وقضائه. وكما يمكن أن يحدث لأى رئيس قادم يتكبر ويتأله ويعطى لنفسه من الألقاب ما لم يعطه الله لنفسه فى أسمائه بعد أن تعلم الشعب التخلى عن ألقاب العبودية وتعلم أن الناس ولدوا أحرارا فلا يستعبدهم أحد.

لقد بدأ تقبيل الأيادى وإعطاء الألقاب وكل مظاهر التعظيم والتفخيم للرؤساء كعادة منشؤها الخوف وإذلال النفس بلا داع، حرصا على منصب أو مشاركة فى الفساد. ثم تحولت العادة المتبعة إلى قانون، من يخرج عليه يفقد منصبه أو يحاكم بتهمة العيب فى الذات الملكية أو الأميرية أو السلطانية. وهى جريمة لا تغتفر، وإن كان التجديف على الله يمكن أن يُغتفر. وقد حذر القرآن من ذلك. ألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ».

وطاعة الرؤساء نوع من العبادة والتأليه لهم. ولماذا لا ترن فى أذننا دائما قولة عمر بن الخطاب لابن عمرو بن العاص ابن الأكرمين الذى ضرب مواطنا عاديا اعتمادا على حسبه ونسبه «لماذا استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟»، وإن كان العهد بعيدا فلماذا لا ترن فى أذننا دائما قولة عرابى أمام الخديو توفيق «إن الله خلقنا أحرارا. ولم يخلقنا عقارا. والله لا نورث بعد اليوم»؟ هذا يحتاج بعد الثورة إلى التحول من العادات القديمة إلى عادات جديدة، ومن عصا الأب فى الأسرة، والمعلم فى المدرسة، والتهديد بالقبض عليه فى الجامعة أو بالاعتقال بعد التخرج إلى عادات أخرى يستمع فيها الأب إلى رأى الطفل، والمعلم إلى اعتراض التلميذ، والأستاذ إلى حجة الطالب، والرئيس إلى اعتراض المواطن .. هذا هو الدرس.
--------------------
بقلم: د. حسن حنفي

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة07:25
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
22.8°C
توقعات الساعات القادمة
22.8°C
24.4°C
25.7°C
26.8°C
27.1°C
27.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

الذبح لمن استطاع سبيلا

بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابيةيضع رفض برلمان تونس الل...

درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...