تفكيك سردية الكراهية: كيف تتحول الهوية من تنوّع إلى سلاح؟
الصراعات لا تبدأ بالرصاص، بل بالكلمات، ثم تتحول الكلمات إلى قناعات، والقناعات إلى عنف.
في منطقة الشرق الأوسط عمومًا، لا تُفهم الصراعات الحديثة بمعزلٍ عن أزمة الهوية وإشكالاتها، فالحروب والانقسامات التي تشهدها المنطقة لم تكن وليدة خلافات سياسية فحسب، بل نتاج سرديات طويلة قامت على إعادة تعريف الاختلاف بوصفه تهديدًا، وتحويل الهويات الدينية والمذهبية والعرقية إلى أدوات تعبئة وصراع.
سردية الكراهية هنا ليست مجرد خطاب متشنج، بل منظومة فكرية تُبسّط الواقع، وتُعيد تقسيم المجتمعات إلى "نحن" في مواجهة "هم"، وقد أثبتت التجربة أن هذه السردية، حين تترسخ، تصبح أقوى من السياسة، وأكثر قدرة على إنتاج العنف والاستدامة.
من التنوّع إلى خطوط تماس
لطالما كان الشرق الأوسط مساحة تاريخية للتعدد الديني والمذهبي والعرقي، غير أن هذا التنوع، الذي كان يمكن أن يكون أساسًا للعيش المشترك، تحوّل في أكثر من بلد إلى خطوط تماس دامية.
ففي العراق، مثلًا، أدى استثمار الانقسام المذهبي بعد عام 2003 إلى تفكيك الهوية الوطنية لصالح هويات فرعية متصارعة. ولم يكن العنف الطائفي نتاج اختلاف ديني بقدر ما كان نتيجة خطاب سياسي–ديني صوّر الطائفة الأخرى كخطر وجودي، ومهّد لتبرير القتل والتهجير على أساس الهوية.
وفي سوريا، تحوّل الحراك الشعبي الذي بدأ بمطالب سياسية واجتماعية إلى صراع هوياتي معقّد، بعدما جرى تأطيره تدريجيًا ضمن سرديات طائفية ومذهبية. ومع تصاعد الخطاب الإقصائي من جميع الأطراف، أُعيد تعريف المجتمع لا كمواطنين متساوين، بل كجماعات متقابلة، لكل منها روايتها، وذاكرتها الجريحة، ومخاوفها الوجودية. وهكذا، لم يعد الصراع يدور حول الدولة وشكل الحكم، بل حول من ينتمي ومن يُقصى.
أما في لبنان، فتُقدّم الأزمة نموذجًا مختلفًا لكنه لا يقل خطورة؛ فالانقسام الطائفي لم ينفجر في حرب أهلية شاملة حديثًا، لكنه رسّخ نظامًا سياسيًا قائمًا على الهويات المغلقة. هذا النظام، الذي يُفترض أنه يضمن التوازن، أنتج في الواقع شللًا سياسيًا دائمًا، وولاءات ما دون الدولة، وخطابًا يُعيد إنتاج الخوف المتبادل كلما اهتزّ التوازن الهش.
الجماعات المتطرفة وعسكرة الهوية
بلغ توظيف الهوية ذروته مع صعود الجماعات المتطرفة، التي قدّمت أوضح مثال على تحويل الانتماء الديني أو المذهبي إلى هوية قتالية. فقد نجحت هذه الجماعات في إعادة تعريف الإيمان بوصفه فعل مواجهة دائمة، وربطت الانتماء بالعنف، والولاء بالقتل، والخلاص بإقصاء الآخر.
في مناطق واسعة من العراق وسوريا، لم يكن القتال يدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول فرض سردية واحدة للهوية، تُقصي كل من لا ينتمي إليها. وتم استدعاء نصوص دينية مجتزأة، ومظلومية تاريخية منتقاة، لإقناع الأفراد بأن العنف ليس خيارًا سياسيًا، بل واجبًا مقدسًا. وهنا تحوّلت الهوية من إطار ثقافي إلى سلاح، وفقد الفرد مسؤوليته الأخلاقية لصالح الطاعة العمياء للجماعة.
الهوية القاتلة في مقابل الهوية الجامعة
ما يجمع هذه التجارب هو صعود ما يمكن تسميته بـ"الهوية القاتلة"، وهي هوية تقوم على الاختزال والإقصاء، وهو النموذج الذي يُعرَّف الإنسان فيه من خلال انتماءٍ واحد فقط، ويُلغى كل ما عداه، كما تُبنى السياسة على منطق "الغالب والمغلوب"، لا على فكرة الشراكة أو المواطنة.
غير أنه في المقابل، تُظهر تجارب أخرى، وإن كانت محدودة، أن البديل ممكن. ففي دول نجحت نسبيًا في إدارة التنوع، لم يُنظر إلى الاختلاف بوصفه خطرًا، بل واقعًا يجب تنظيمه عبر الدولة والقانون والمواطنة المتساوية. فالهوية الجامعة لا تلغي الخصوصيات الدينية أو الثقافية، لكنها تمنع تحويلها إلى أدوات صراع، وتضعها ضمن إطار وطني وإنساني أوسع.
الخطاب الديني: من التبرير إلى التفكيك
لقد كان الخطاب الديني أحد أبرز ساحات الصراع في المنطقة. ففي كثير من الحالات، جرى توظيف الدين لتبرير العنف، لا لمواجهته. القراءة الحرفية للنصوص، واحتكار الحقيقة، ونزع الإنسانية عن المختلف، كلها آليات أسهمت في شرعنة الإقصاء والقتل.
غير أن تجارب المواجهة الفكرية أثبتت أن تفكيك الخطاب المتطرف ممكن، حين يُعاد ربط النصوص بمقاصدها الأخلاقية، وحين يُقدَّم الدين بوصفه قوة للرحمة والعدل، لا أداة تعبئة وصراع. فالانتقال من "فقه الصراع" إلى "فقه العيش المشترك" ليس مسألة نظرية، بل ضرورة مجتمعية، خاصة في دول متعددة الهويات.
أخيرا، معركة الوعي قبل السياسة
تُظهر أزمات الشرق الأوسط أن الكراهية ليست نتاج اختلاف طبيعي، بل نتيجة سرديات صُنعت بعناية، واستثمرت الخوف والذاكرة المجتزأة والهوية المغلقة، ومثلما صُنعت هذه السرديات، يمكن تفكيكها، لكن ليس عبر القوة وحدها.
الغاية أذن، أن المعركة الحقيقية هي معركة وعي؛ في التعليم، والإعلام، والخطاب الديني، والسياسة. وهي معركة تتعلق بسؤال جوهري: هل نريد هويات تُغلق المجتمعات على خوفها، أم هويات جامعة ترى في التنوع مصدر قوة لا تهديدًا؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط مستقبل الصراعات، بل تحدد شكل المجتمعات وأنماط العيش فيها.
----------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد *
* باحث في الاجتماع السياسي وسياسات الهوية
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس
أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري